خلني أقول لك
اليمامة) وفهد العرابي الحارثي.. شهادة على مرحلة
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
بمناسبة مرور خمسة وسبعين عامًا على صدور مجلة اليمامة، وجدتني أعود بذاكرتي إلى تلك السنوات التي تعرفت فيها على المجلة لأول مرة، وأتذكر معها اسمًا ارتبط في ذهني بتلك المرحلة المميزة من تاريخها، هو الدكتور فهد العرابي الحارثي.
كنت طالبًا في السنة الأولى أو الثانية بقسم الإعلام في جامعة الملك سعود بالرياض، أدرس الصحافة وأتابع ما يصدر من مطبوعات محلية وعربية، حين لفت انتباهي التغيير الذي شهدته مجلة اليمامة في الشكل والمضمون. أتذكر أنني اشتريت أحد أعدادها وكان عنوان الغلاف الرئيس: «هل نحن وهابيون؟». كان عنوانًا جريئًا وغير مألوف في تلك المرحلة، وأدركت منذ ذلك الوقت أن المجلة دخلت مسارًا مختلفًا.
كان الدكتور فهد قد عاد حينها من فرنسا بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة السوربون، وبعد تجربة صحفية مبكرة مراسلًا من باريس. وقد بدا واضحًا أن سنواته هناك لم تمنحه شهادة أكاديمية فحسب، بل منحته أيضًا اطلاعًا واسعًا على المدارس الصحفية الأوروبية، وهو ما انعكس على كتاباته أولًا ثم على النهج التحريري الذي تبناه في اليمامة لاحقًا.
في عهده شهدت المجلة نقلة نوعية لافتة. لم تعد مجرد مجلة أسبوعية تنقل الأخبار والتقارير، بل أصبحت مساحة للنقاش والحوار وطرح الأسئلة التي تشغل المجتمع. وبدأت تدخل مناطق لم تكن الصحافة المحلية معتادة على الاقتراب منها، وهو ما منحها حضورًا وتأثيرًا استثنائيين.
كانت «قضية الأسبوع» إحدى أبرز العلامات الفارقة في تلك المرحلة. فقد نجحت (اليمامة) في تناول قضايا اجتماعية حساسة ومهمة بجرأة ومهنية، وكانت تحسن التقاط الموضوعات التي تستحق النقاش العام، ثم تفتح صفحاتها لمختلف الآراء حولها. لم تكن مجرد مادة صحفية، بل كانت حدثًا أسبوعيًا ينتظره القراء.
كما اتسمت المجلة آنذاك بنفس ثقافي وحداثي واضح، واستطاعت أن تستقطب عددًا كبيرًا من الكتاب والمثقفين والمفكرين والمبدعين، فازدانت صفحاتها بأسماء مؤثرة وكتابات مختلفة، الأمر الذي جعل كثيرًا من القراء يترقبون صدورها أسبوعيًا رغم وجود الصحف اليومية التي كانت تصلهم كل صباح.
واللافت أن «قضية الأسبوع» استمرت بعد مغادرة الدكتور فهد للمجلة، لكنها لم تعد تحتفظ بالبريق نفسه. وفي تقديري أن السر لم يكن في الفكرة ذاتها، بل في قدرة الدكتور فهد على اختيار القضايا المهمة، بل أحيانًا القضايا التي لم يكن أحد يجرؤ على طرحها، إضافة إلى امتلاكه الشجاعة المهنية لاتخاذ قرار نشرها. فالأفكار الجريئة تحتاج دائمًا إلى مسئول تحرير يؤمن بها قبل أن يطلب من الآخرين مناقشتها.
وكانت تلك الجرأة، في تقديري، واحدة من السمات الأبرز في شخصية الدكتور فهد المهنية،ولعل ذلك يعيد إلى ذاكرتي أحد الاجتماعات التحضيرية التي سبقت صدور صحيفة (الوطن)، حين كانت الدراسات التأسيسية للمشروع تُعد عبر مركز أسبار الذي أسسه ويرأسه الدكتور فهد، والذي تولى لاحقًا رئاسة مجلس إدارة الصحيفة وأسهم بدور محوري في تأسيسها وصناعة شخصيتها المهنية. ومن عايش تلك المرحلة يدرك أن ما تميزت به (الوطن) منذ عددها الأول من جرأة وحيوية وحضور وتأثير لم يكن وليد المصادفة، بل كان للدكتور فهد دور بارز في رسم ملامح تلك التجربة ومتابعة تفاصيلها والدفاع عن خياراتها المهنية.
وخلال ذلك الاجتماع دار نقاش حول شعار الصحيفة، وكان من بين المقترحات شعار «الحقيقة مهما كلف الثمن». لم يتحمس كثيرون للشعار في البداية لما يحمله من جرأة وتحدٍ، لكن الدكتور فهد كان يرى أن صحيفة جديدة لا يمكن أن تحقق حضورًا وتأثيرًا ما لم تمتلك شخصية واضحة وشجاعة مهنية. وفي النهاية صدر العدد الأول بالشعار نفسه الذي أصبح لاحقًا جزءًا من هوية الوطن. وربما لم يكن اختيار ذلك الشعار مجرد قرار تحريري، بل كان انعكاسًا لفلسفة آمن بها الدكتور فهد وسعى إلى ترجمتها عمليًا في تجربة (الوطن)، وهو ما انعكس على ما أحدثته الصحيفة من حراك مهني وصخب إعلامي وانتشار واسع منذ أيامها الأولى.
وما أرويه هنا ليس سوى مثال واحد من أمثلة ومواقف كثيرة عايشت بعضها وسمعت عن بعضها الآخر، وكلها تؤكد ما كان يتمتع به من مهنية وثقة في القرار وجرأة في الطرح، وهي صفات أرى أنها من أهم أدوات العمل الصحفي؛ فمتى ما غابت الجرأة المسؤولة تحولت الصحافة إلى عمل تقليدي يكتفي بنقل الأحداث بدل التأثير فيها وصناعة النقاش حولها.
وأحسب أن من عاصر تلك المرحلة لا يختلف على أن (اليمامة) في عهد الدكتور فهد كانت حاضرة بقوة في المشهد الإعلامي السعودي.. فمن النادر أن تتمكن مجلة أسبوعية من منافسة الصحف اليومية في التأثير والانتشار وصناعة النقاش العام، لكن (اليمامة) فعلت ذلك، وكان للدكتور فهد دور محوري في هذا الحضور.
أردت، وأنا أشارك اليمامة احتفالها بمرور خمسة وسبعين عامًا على صدورها، أن أستحضر الرجل الذي كان سببًا في تعرّفي الحقيقي على المجلة، والذي ترك بصمة واضحة ليس في اليمامة وحدها، بل في تجارب صحفية وإعلامية عديدة لاحقة، من بينها صحيفة (الوطن)ِ. وهي بصمة تستحق أن تُذكر وأن يُنصف صاحبها كلما جرى الحديث عن المحطات المضيئة في تاريخ الصحافة السعودية.
وأنا أستعيد هذه الذكريات بمناسبة مرور خمسة وسبعين عامًا على صدور اليمامة، لا يفوتني أن أهنئ الزميل الشاعر والصحفي الأستاذ عبدالله الصيخان، المشرف على تحريرها الحالي، بهذه المناسبة. ولعل ما يضفي على المشهد شيئًا من الجمال أنه كان أحد الأسماء التي حضرت في مرحلة اليمامة المميزة التي قادها الدكتور فهد العرابي الحارثي، قبل أن يعود ليتولى قيادة المجلة نفسها.
ويبقى الرهان الحقيقي أمام (اليمامة)، كما كان دائمًا، هو الحفاظ على روحها التي صنعت حضورها وتأثيرها؛ روح الجرأة المهنية، والانحياز للقارئ، والقدرة على إثارة الأسئلة المهمة. وهي القيم التي أسهم في ترسيخها رجال كان من أبرزهم الدكتور فهد العرابي الحارثي، وما زالت المجلة تستند إلى إرثهم وهي تدخل عامها السادس والسبعين.
