تالي العمر فضّاح

محمد البكر

عبارة سمعتها عدة مرات من بعض كبار السن . لكنني لم أدرك عمقها كما ينبغي . حتى رأيت كيف يضعف الإنسان في سنواته الأخيرة ، وكيف تبدأ الحياة في كشف ما كان مستوراً … ليس بالضرورة من الأخطاء ، بل من الحاجة .

في بدايات العمر، يمضي الإنسان قوياً ، قادراً على إدارة شؤونه كلها ، حتى أدقها خصوصية. لا يحتاج أن يطلب ، ولا أن يبرر، ولا أن يلتفت خلفه . لكن مع التقدم في السن ، تتغير المعادلة . أشياء بسيطة كانت تُنجز بلا تفكير، تصبح عبئاً ، وقد تتحول إلى موقف محرج إن اضطر لطلب المساعدة فيها . هنا يظهر وجه آخر للعبارة .

الموقف ليس ” فضيحة ” ، بل إنكشاف لمرحلة الضعف . إنكشاف لتلك اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه محتاجاً لغيره في أمور كان يستحي أن يشاركها أحداً . وهذا في جوهره امتحان ليس له ، بل لمن هم حوله . من هنا تبدو النصيحة واجبة لمن هو مسؤول عن كبير في السن ” والد أو أم أو قريب ” . فالمسألة ليست خدمة تقدم ، بل كرامة تصان .

لا تنتظروا أن يَطلُب منكم ، ولا تضعوه في موقف السؤال . بادروا ، وافهموا دون أن يُقال ، وساعدوا دون أن تُشعروه بأنه عاجز . اجعلوا حضوركم خفيفاً ، وأيديكم قريبة ، وكلماتكم دافئة .
تذكروا ما قلته آنفاً : ” تالي العمر .. لا يفضح الإنسان بقدر ما يفضح من هم حوله ” ،
تالي العمر يكشف من يملك الرحمة ، ويعرّي من يجهلها أو يتجاهلها .

وحين نُحسن في هذه المرحلة ، فإننا لا نُجمل حاضر غيرنا فقط … بل نكتب لأنفسنا مستقبلاً نتمناه . تذكروا أننا ذات يوم سنصل لما وصله أولئك الكبار ، وأن ما نقدمه اليوم سنناله عندما نحتاج . ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات