عندما تتراجع طهران: من “كأس السم” إلى “تحريف التصريحات”
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في السياسة الإيرانية، لا يكون الخبر الحقيقي هو التصريح الأول، بل ما يأتي بعده. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، تعوّد المراقبون أن يتعاملوا مع الخطاب الإيراني بقدر كبير من الحذر؛ لأن كثيراً من التصريحات التي تصدر من أعلى مستويات القيادة سرعان ما تُعاد صياغتها أو التراجع عنها أو تفسيرها بطريقة مختلفة.
آخر هذه الوقائع برزت مع تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي ظهر في رسالة مصوّرة معتذراً للدول المجاورة التي طالها الاستهداف خلال الحرب الدائرة، مؤكداً أن بلاده لا ترغب في إيذاء جيرانها. لكن سرعان ما خرجت رواية أخرى تقول إن “العدو حرّف تصريحاته”، في مشهد يعكس ظاهرة قديمة في السياسة الإيرانية: التصريح ثم التراجع، أو التصريح ثم إعادة تفسيره.
هذه الظاهرة ليست جديدة. فالتاريخ السياسي للجمهورية الإسلامية يكشف سلسلة من التراجعات البارزة التي تعكس طبيعة النظام ذاته، حيث تتقاطع مراكز القوة بين القيادة الدينية والمؤسسات العسكرية والتيارات السياسية المختلفة. وفيما يلي خمس من أبرز تلك اللحظات التي تكشف هذا النمط المتكرر.
كأس السم” – تراجع مؤسس الثورة
كانت الحرب العراقية الإيرانية تمثل بالنسبة للخميني معركة وجودية، وكان خطابه طوال سنوات الحرب يرفض أي وقف لإطلاق النار. لكن في عام 1988، أعلن فجأة قبول قرار وقف النار، واصفاً القرار بأنه “تجرّع كأس السم”. لم يكن هذا مجرد تغيير في الموقف السياسي؛ بل كان اعترافاً ضمنياً بأن الواقع العسكري والاقتصادي فرض على القيادة الإيرانية ما لم تكن تقبل به خطابياً. ومنذ تلك اللحظة، أصبح “كأس السم” تعبيراً سياسياً في إيران يرمز إلى التراجع القسري عندما تصبح الكلفة أعلى من قدرة النظام على الاحتمال.
قضية سلمان رشدي – الدبلوماسية في مواجهة العقيدة
في عام 1998، حاولت حكومة الرئيس محمد خاتمي i تحسين العلاقات مع الغرب، فأعلنت أن قضية الكاتب سلمان رشدي “انتهت”. لكن هذا الإعلان لم يصمد طويلاً، إذ سرعان ما خرج رجال دين ومسؤولون ليؤكدوا أن الفتوى الصادرة بحقه ما زالت قائمة. هنا ظهر بوضوح التناقض داخل النظام الإيراني، الدبلوماسية تحاول تخفيف العزلة الدولية، بينما يصر التيار العقائدي على الحفاظ على رمزية الثورة، حتى لو كان ذلك على حساب العلاقات الخارجية.
الاتفاق النووي… ثم “كان خطأ”
عندما وقّعت إيران الاتفاق النووي عام 2015، بدا وكأنه لحظة انفتاح تاريخية. فقد سمح المرشد الأعلى ببدء المفاوضات التي قادتها حكومة حسن روحاني. لكن بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، عاد خامنئي ليقول إن السماح بالتفاوض مع واشنطن كان “خطأً”. هذا التراجع لم يكن مجرد نقد للماضي؛ بل كان إعادة صياغة للرواية السياسية بحيث يتحمل “الإصلاحيون” مسؤولية الانفتاح، بينما يبقى المرشد فوق الخطأ.
إسقاط الطائرة الأوكرانية – من الإنكار إلى الاعتراف
في يناير 2020، تحطمت طائرة ركاب أوكرانية بعد إقلاعها من طهران.
في البداية نفت السلطات الإيرانية أي مسؤولية عن الحادث. لكن بعد أيام من الضغوط الدولية والأدلة التقنية، اعترفت بأن الدفاعات الجوية الإيرانية أسقطت الطائرة “عن طريق الخطأ”، ما أدى إلى مقتل 176 شخصاً. كانت تلك واحدة من أكثر لحظات التراجع إحراجاً للنظام، لأنها كشفت أن الإنكار الرسمي يمكن أن يستمر حتى اللحظة التي يصبح فيها الاعتراف أقل كلفة من الاستمرار في الكذب.
شرطة الأخلاق – إعلان التراجع الذي لم يحدث
في عام 2022، وفي خضم الاحتجاجات الواسعة بعد وفاة مهسا أميني، أعلن مسؤول إيراني أن “شرطة الأخلاق” أُلغيت. لكن سرعان ما أوضحت السلطات أن هذا التصريح لا يعني تغييراً حقيقياً في سياسة الحجاب الإلزامي. كانت تلك لحظة أخرى من “التراجع الشكلي”:
إشارة تهدئة إلى الشارع والعالم، من دون أي تعديل فعلي في بنية النظام أو سياساته.
لماذا تتكرر هذه الظاهرة؟
السبب ليس مجرد خطأ في التصريحات، بل طبيعة النظام الإيراني نفسه. فالقرار السياسي في طهران لا يصدر من مركز واحد، بل من شبكة معقدة من المؤسسات: المرشد الأعلى، الحرس الثوري، الحكومة، والمؤسسة الدينية. وعندما يتجاوز خطاب أحد هذه الأطراف حدود ما يقبله الآخرون، يتم تصحيحه سريعاً أو إعادة تفسيره. لهذا السبب تبدو السياسة الإيرانية أحياناً وكأنها تتحدث بصوتين: صوت موجه للخارج، أكثر براغماتية، وصوت موجه للداخل، أكثر أيديولوجية.
خاتمة
منذ الثورة الإيرانية وحتى اليوم، يتكرر المشهد ذاته: تصريحات نارية، ثم تراجع أو تعديل أو تفسير جديد.
من “كأس السم” الذي تجرعه الخميني، إلى تصريحات بزشكيان التي قال إنها “حُرّفت”، يتضح أن التراجع ليس استثناء في السياسة الإيرانية، بل جزء من آلية إدارة الأزمات داخل النظام. ولهذا فإن السؤال الحقيقي في كل مرة لا يكون: ماذا قالت طهران؟
بل سؤال أكثر دقة: من داخل النظام من سمح بهذا التصريح… ومن أجبر صاحبه لاحقاً على التراجع؟