حلم خريف العمر

محمد البكر

عندما يفقد الإنسان حلماً تعلّق به طويلاً ، ثم يراه يتبخر في اللحظات الأخيرة ، فإن الوجع لا يكون عابراً ولا بسيطاً . هو وجع يشبه الصمت الذي يلي صدمة ، أو الفراغ الذي يخلّفه شيء كنا نراه مستقبلاً كاملاً لا مجرد فكرة . في تلك اللحظة ، يشعر الإنسان وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه ، وكأن كل الجهود والانتظار والآمال ذهبت أدراج الرياح .

ومع ذلك ، فالأخطر من ضياع الحلم نفسه ، هو التوقف عن الحلم بعده . فالتوقف هنا ليس استراحة ، بل شكل من أشكال اليأس المستتر .

الإنسان بلا حلم كالسفينة بلا وجهة ، قد تبقى طافية ، لكنها لا تصل . الأحلام لا تُقاس فقط بمدى تحققها ، بل بقيمتها في دفعنا إلى الأمام ، في جعل أيامنا أكثر احتمالاً ، وقلوبنا أكثر صبراً .

نعم ، تَبخر الحلم موجع ، وقد يترك في النفس ندبة لا تزول سريعاً . لكن الحياة لا تُدار بحلم واحد مهما كان كبيراً . من يربط حياته بمحطة واحدة فقط ، يخاطر بأن تتوقف رحلته كلها إذا تعطلت تلك المحطة . الحكمة ليست في إنكار الألم ، بل في عدم السماح له بأن يتحول إلى نهاية .

الإنسان القوي ليس من لا يسقط ، بل من يعرف كيف ينهض ويعيد ترتيب أحلامه . أحياناً لا تفشل الأحلام ، بل تنتهي صلاحيتها ، لتفسح المجال لأحلام أكثر نضجاً واتساعاً . لذلك ، يجب ألا نتوقف عن الحلم ، لأن الحلم في جوهره إعلان غير مباشر بأننا ما زلنا نؤمن بالحياة ، وما زلنا ننتظر منها شيئاً يستحق أن نواصل لأجله الطريق .. حتى لو كنا في خريف العمر. ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات