قبل أن نُجمّل المدن.. فلنهذب السلوك
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
صارت جودة الحياة مصطلحاً متداولاً ، تُقاس به المدن وتُقارن الدول ، وغالباً ما يُختزل في مستوى الخدمات ، والبنية التحتية ، وتوفر المرافق ، وجمال الشوارع ، وسهولة الوصول إلى الاحتياجات اليومية.
لا شك أن هذه العناصر مهمة ، بل وأساسية، لكنها – في تقديري – لا تمثل جوهر جودة الحياة ولا تعكس صورتها الكاملة .
جودة الحياة الحقيقية تبدأ من سلوك المجتمع قبل اتساع الطرق ، ومن وعي الإنسان قبل ارتفاع المباني . فما قيمة مدينة متطورة إذا كان أهلها لا يحترمون النظام ؟ وما جدوى حدائق جميلة إذا أفسدها العبث وقلة الذوق ؟ إن سلوك السكان هو المرآة الصادقة لأي مدينة ، وهو المؤشر الأهم على تحضرها أو تراجعها في معيار جودة الحياة .
التسامح بين الناس ، واحترام الاختلاف ، وحسن التعامل في الأماكن العامة ، كلها معايير لا تقل أهمية عن عدد المستشفيات أو كفاءة النقل . كذلك الالتزام بالأنظمة المرورية ليس مجرد قانون يُفرض بالعقوبة ، بل سلوك حضاري يعكس احترام الإنسان لحياة الآخرين ووقتهم وسلامتهم . والذوق العام ، من نظافة المكان إلى خفض الأذى البصري والسمعي ، هو تعبير يومي عن وعي جماعي لا تصنعه اللوائح وحدها .
كما أن المحافظة على الممتلكات العامة – من مرافق وحدائق وشواطئ – تكشف بوضوح مستوى الانتماء والشعور بالمسؤولية . فالأماكن العامة ليست ملكاً للدولة فحسب ، بل هي ملك أيضاً للمجتمع كله ، والاعتداء عليها اعتداء على حق الجميع .
من هنا، أرى أن معيار سلوك المجتمع يجب أن يتصدر أولويات قياس جودة الحياة ، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه كل المعايير الأخرى . فحين يرتقي السلوك ، تتجمل المدن تلقائياً ، وتصبح الخدمات أكثر فاعلية، وتتحول التنمية من مشاريع إسمنتية إلى أسلوب حياة راقٍ ومستدام . ولكم تحياتي
