لا وسطية في حب الوطن

محمد البكر

في مقالي السابق دعوت إلى الوسطية بوصفها وعياً واتزاناً ، وقلت إن الوقوف في المنتصف فضيلة حين يكون الاختلاف رأياً ، والجدل فكرة ، والتنوع ذائقة . لكنني تعمّدت أن أستثني أمراً واحداً ، لأن الوسط فيه ليست حكمة ، بل سقوطاً أخلاقياً . – الوطن – .

في حب الوطن ، الحياد خيانة مؤجلة ، والصمت موقف ، والوقوف على الرصيف اختيار لا يقل سوءاً عن الوقوف في الصف المقابل . من لا ينحاز لوطنه حين يتعرض للهجوم ، لا يختلف كثيراً عمّن يهاجمه ، فكلٌّ منهما يخفف الضغط عن الخصم ويزيد العبء على وطنه الذي حماه .

الأكثر قسوة من الخصم الصريح ، ذلك الذي يلبس ثوب العقلانية الباردة ، ويتحدث عن الطرفين ، وعن التهدئة ، وعدم الانجرار، بينما وطنه يُستهدف ويُشوَّه . هذا لا يبحث عن حق، بل عن مصلحة آنية ، وعن موقع آمن يضمن له السلامة أياً كانت النتيجة . وهذا الموقف ليس له توصيف غير ” الخيانة الناعمة ” .

حب الوطن لا يُقاس بعبارات فضفاضة ولا بتغريدات موسمية ، بل بموقف واضح وقت الشدة. من يختفي في الأزمات ، ثم يعود في الرخاء ، لا يستحق شرف الانتماء ، ولا يملك حق الادعاء بأنه كان محايداً .

لا فرق بين من ينحاز ضد وطنه صراحة ، ومن يختار الصمت حين يجب الانحياز . كلاهما خارج المعركة أخلاقياً ، وكلاهما يخذل الوطن بالطريقة نفسها ، وإن اختلفت اللهجة . لهذا أقول وأكرر بأن لا وسطية في حب الوطن . إما انحياز كامل ، أو سقوط شامل . ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات