الرأي , خلني أقول لك

أخي محمد البكر

( خلني أقول لك ) - طارق إبراهيم

رئيس التحرير ، ومستشار إعلامي وسابقا: رئيس تحرير لصحيفة (الوطن) السعودية، ورئيس التحرير لمجلة (الأسرة) العربية، ومدير تحرير لصحيفة (اليوم) السعودية،ورئيس تحرير لصحيفة (الوفاق) الإلكترونية السعودية، ومدير عام دار روناء للإعلام المتخصص.

لم تدهشني حفاوة الزملاء وهم يحتفلون يوم الأربعاء الماضي بأخي وصديقي الكاتب والصحفي القدير و المعلق الرياضي الشهير محمد البكر ، ذلك أن الرجل يستحق ذلك و أكثر، إن لم يكن لمسيرته المهنية الثرية، فعلى الأقل لعطاءه الكبير في الوعي الرياضي والإجتماعي بين السعوديين.
لقد كان هذا الاحتفال ثمرة وشهادة .
ثمرة لرحلة عطاء حفلت بالعطاء و التمييز ، كان خلالها زعيما لمدرسة العنوان الصحفي المشوق و المقال الجماهيري المدوي ، و العمل الجماعي المؤسس على التفاني و التفاؤل و الإيمان بأن الحقيقة هي الباقية ، مهما كان الغبار الذي يحيط بها .
ثم أنه شهادة من كبار الإعلاميين بأن ما قدمه البكر لوطنه ومهنته وتلاميذه قد صار جزءاً عزيزا من الذاكرة السعودية لا يمكن لأحد أن يقلل منه أو يمحوه ، فضلا عن أنه سيبقى درساً ومثلا لكل من يرغب في النجاح و التميز.
و الحق أن البكر الذي بدأ مسيرته الصحفية -محرراً موهوباً ثم رئيس قسم متميز وصولا إلي دوره كمسؤول تحرير كفء ، كان –قبل ذلك كله – صاحب بصمة إنسانية فريدة جعلته في كل المراحل وكل المواقع الأكثر تأثيراً في العاملين معه . و تقديري أن هذا التأثير لم يكن وليد الكفاءة المهنية الكبيرة التي يتمتع بها فحسب ، فهناك أيضاً دماثة خلقه ورقي تعامله و قدرته على احتواء كل الأراء ، بما فيها المتعصبة ، بصدر رحب و سعة أفق و يقين بأن طاقات البشر ، وكذا أوقاتهم ، يجب أن تذهب لكل نافع ، بعيداً عن الجدل العقيم و التعصب المقيت .وفي ذلك تتعدد الشواهد .
لقد عُرف البكر بحبه لنادي القادسية وكان يتألم للأوضاع التي آل إليها، غير أنه لم يحاول أن يسيء لمسؤول فيه ، بل على العكس تعامل مع شؤون النادي بمعايير مهنية أجبرت الجميع على احترامه . اعترف بأنه يميل للهلال ، الإ أنه لم ينجرف أبداً في تيار التعصب ، و لم يسمح لتفضيلاته أن تؤثر على عمله ، حتى والزعيم في قمة مجده .
فضلا عن ذلك ، تحفل ذاكرة تلاميذ الإعلامي الكبير بكثير من الأمثلة التي يمكن بها التدليل على موضوعيته الرصينة ، غير أن الأهم من ذلك كله هو شهادة القراء الذين وجدوا في زاويته الشهيرة ” سواليف ” ما يعبر عن مختلف الانتماءات الرياضية دون تمييز، حتى قيل في حقه يوم أن بات يكتب في الشأن المحلي أنه الصوت القادر على طرق موضوعات قد يتخوف غيره من تناولها لمجرد أنها ستغضب مسئولا هنا أو جهة ما، هناك . و أشهد – باعتباري أحد القريبين من الرجل – أنه لم يعلي أبداً مصلحة شخصية على صالح المجتمع الصغير والوطن الكبير، أو انتماء ذاتياً على صالح الكرة السعودية التي رسم بقلمه أجمل انتصاراتها بدء من الفوز بكأس أمم أسيا في عام 1988 ، وصولاً إلي الصعود المتكرر لكأس العالم في الفترة من 1994 حتى 2006 .
وعلى مستوى التعليق الرياضي ، بقي البكر وفياً لعهده مع السعوديين الذين أمنوا لصوته أن يدخل بيوتهم سواء عبر الأثير أو من خلال الشاشات ،وطوال ثلاثة عقود ؛ لم يؤخذ عليه أنه أثار نعرة أو زايد في مجاملة ، ولذلك بالذات يمكنني القول إن البكر لعب دوراً فارقاً في تاريخ الرياضة السعودية ، إذ أنه أبقاها في وعي السعوديين مجرد ساحة التنافس الممتع الجذاب ، و لم يقع في فخ التعصب الذي أغرى كثيرين ، فأفقدهم موضوعيتهم و جعلهم من بين الاستقطاب الحاد الذي تشهده المدرجات في الوقت الراهن .
كان حضور صوت البكر في أي مباراة ضمانا لنا بأن نطرب بمتعة سمعية اجتهد الرجل حتى يصل بها لأعلى درجات الأبداع ، كما أن طلته البشوشة عبر الشاشة بقيت عامل ثقة للجميع بأن يجدوا من المعلومات و التعليقات ما يزيدهم ولاء لوطنهم ، وكذلك ما يحببهم في الرياضة لتكون وسيلة للرقي بالنفس و البعد عن المخاطر المحيطة بهم . و الحق أن الرجل أجاد في ذلك وأبدع ، حتى أن جيلاً كاملا من السعوديين تشكل وعيهم الكروي على وقع مفرداته البديعة ، و رتم صوته المميز الجذاب .
أما على المستوى الإنساني ، فيمكن لي أن اسجل عشرات المواقف المبهرة التي جمعتني به حين أسعدني القدر بالعمل معه ، ذلك أن الرجل القادم من الخبر حمل إلينا ألق البحر و اتساعه ، ألقى بيننا روحاً جماعية حلوة مكنتنا من تخطي الصعاب و تحقيق الكثير من النجاحات التي كان لاسمه فيها النصيب الأكبر . كان لا يفوت فرصة إلا ويؤكد فيها أنه أخ أكبر للجميع ، فهو الذي يتابع تطور زملاءه المهني صباحاً ، وهو الذي يسأل عن أحوالهم مساء ، وكأنه يريد أن يحول حبهم لشخصه الكريم إلي حافز يتوكأون عليه وهم يمضون في دروب الصحافة الوعرة .. وتقديري أن هذه اللفتة لا يدرك قيمتها إلا من تتلمذ مع البكر أو عمل بالقرب منه.
في إنسانيته لا يستقر عطاء الأستاذ البكر عند شاطيء ؛ وما عليك إلا أن تسأل كل من تعامل معه لتعرف كم هو متدفق وحنون وبار … لن أقول اسألوا والدته – متعها الله بالعافية – عن الإبن الذي يأتيها باسماً ليقبل جبهتها ويهديها أروع مشاعر البنوة الصادقة و أجمل أشكال السعادة ، و لن أقول : اسألوا أسرته الصغيرة كيف هي شخصيته الودودة المحبة للجميع . فقط ؛ راقبوا عيون أصدقاءه الكثر في مجالسهم وفي (ديوانيته) العامرة التي تتهلل فرحاً حين يلتقوه ، فقط تابعوا ابتسامة السعادة التي تغطي وجوه العمال حين يرون مقدمه عليهم . فقط أذكروا اسمه بين من اسعدهم القدر و صحبوه في رحلة أو مهمة ، و ستعرفون وقتها : لماذا يستحق البكر كل هذه الحفاوة و أكثر …

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *