الرأي , الرياضة والبطولات
من الدعم إلى الاستثمار.. من يحمي عدالة المنافسة؟
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
تغيرت كرة القدم، وتغير معها السؤال المالي. لم يعد المهم فقط: كم يملك النادي؟ بل من أين جاءت الأموال؟ وكيف صُنفت؟ والأهم: هل كل مال يدخل خزينة النادي يصبح إيراداً يسمح له بزيادة إنفاقه على اللاعبين؟
دعم رجال الأعمال والمستثمرين للأندية ليس مشكلة في حد ذاته، بل يمكن أن يكون أحد أهم محركات نموها. لكن هناك فرقاً بين أن تدخل الأموال إلى النادي لدعمه وتقوية مركزه المالي وبناء أصوله، وبين أن تتحول كل مساهمة خارجية تلقائياً إلى قدرة إضافية ومفتوحة لشراء اللاعبين ودفع الرواتب وتسوية العقود.
ماذا لو امتلك نادٍ داعماً يستطيع أن يضخ مئات الملايين كلما احتاج إلى لاعب، ثم يضخ المزيد عندما يريد النادي إنهاء عقد لاعب آخر، بينما ينافس أندية لا تملك القدرة نفسها؟
قصة «محب للنادي» تنقلنا إلى سؤال أكبر: متى يكون الدعم قوة للنادي، ومتى يتحول إلى خلل في عدالة المنافسة؟
هذه ليست إشكالية جديدة في كرة القدم العالمية. ففي لوائح الاستدامة المالية لدى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA)، مجرد دخول المال إلى النادي لا يعني بالضرورة احتسابه بالطريقة نفسها عند قياس قدرته المالية. فالتبرعات، وإن كانت تدخل حسابات النادي، لا تعد ضمن «الإيرادات ذات الصلة» (Relevant Income) عند احتساب الأرباح والخسائر الكروية وفق اللوائح.
هذا تمييز مهم: المال قد يدخل النادي ويفيد مركزه المالي، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن يتحول إلى إيراد يوسع قدرته على الإنفاق على اللاعبين.
وفي المقابل، يستطيع النادي أن يرفع قدرته على الإنفاق عندما يرفع إيراداته المؤهلة فعلياً؛ من الرعاية والأنشطة التجارية والتذاكر والبث وغيرها، إلى جانب نتائج انتقالات اللاعبين وفق المعادلة التنظيمية. هنا تأتي «نسبة تكلفة الفريق» (Squad Cost Ratio)، التي لا يجوز في UEFA أن تتجاوز 70% وفق حساب يشمل تكاليف اللاعبين والمدربين ورسوم الانتقالات وعمولات الوكلاء. بمعنى أبسط: إذا نما اقتصاد النادي، يمكن أن تنمو قدرته على الإنفاق معه. أما مجرد زيادة حجم الأموال التي يستطيع الداعم ضخها، فلا تعني بالضرورة زيادة مماثلة في المساحة المتاحة للإنفاق على الفريق.
حتى عندما يأتي المال في صورة رعاية أو معاملة تجارية، تظهر قاعدة «القيمة العادلة» (Fair Value). فإذا كانت القيمة الاقتصادية الحقيقية لرعاية ما 50 مليوناً، فإن دفع 500 مليون لا يعني تلقائياً احتساب الـ 500 مليون كاملة. الهدف هنا واضح: تنمية الإيرادات التجارية الحقيقية، لا تحويل الدعم إلى إيراد تجاري مصطنع.
كمثال، في إسبانيا نجد نموذجاً أكثر مباشرة. فلكل نادٍ في الدوري الإسباني حد لتكلفة الفريق، يشمل الرواتب وتكاليف الاستحواذ وعمولات الوكلاء واستهلاك قيمة الانتقالات.
اللافت أن الدوري الإسباني سمح في موسم 2026/27 للمساهمين بضخ ما يصل إلى مليوني يورو للاستثمار في الأكاديميات أو كرة القدم النسائية، دون احتساب هذا الإنفاق ضمن حد تكلفة الفريق.
أي أن الفكرة ليست: لا تدعم ناديك. بل: كيف نحول الدعم من مجرد قدرة على الإنفاق إلى قدرة على بناء النادي وتعزيز أصوله؟ وهذا السؤال يصبح أكثر أهمية بالنسبة لكرة القدم السعودية.
في مراحل سابقة من تطور الأندية، كان الدعم المباشر من أعضاء الشرف ورجال الأعمال مفهوماً، وله دوره التاريخي في مساعدة الأندية على الاستمرار والمنافسة. لكننا اليوم أمام مرحلة مختلفة: تخصيص، واستثمار خاص، ومستثمرون محليون ودوليون، وأندية يفترض تدريجياً أن تتحول إلى كيانات اقتصادية ذات أصول وإيرادات وقيمة استثمارية.
ما كان مناسباً لمرحلة «الداعم» يحتاج إلى إعادة قراءة في مرحلة «المستثمر».
هذا التحول لم يعد نظرياً، فقد انتقلت ملكية نادي الخلود إلى “مجموعة هاربورغ” ضمن مسار تخصيص الأندية، ليصبح أول نادٍ في دوري المحترفين السعودي مملوكاً لمستثمر أجنبي، فيما أتمت مجموعة المملكة القابضة استحواذها على 70% من شركة نادي الهلال مقابل 840 مليون ريال، وبقيمة حقوق ملكية تبلغ 1.2 مليار ريال.
في هذه المرحلة يظهر سؤال لم يكن مطروحاً بالحدة والجدل نفسه سابقاً: إذا استحوذت شركة على نادٍ، ثم قدم المساهم المسيطر فيها أو أحد الأطراف المرتبطة بها دعماً مباشراً للنادي، فكيف يُعامل هذا الدعم؟ هل يعد مساهمة رأسمالية أو تمويلاً من المالك، أم إيراداً يدخل في احتساب القدرة على الإنفاق والتعاقدات؟ هنا لا يعود السؤال محاسبياً فقط، بل يصبح جزءاً من عدالة المنافسة نفسها.
فالمستثمر الذي يدخل اليوم لا يريد فقط معرفة سعر النادي وإيراداته، بل يريد أن يعرف كيف سيستطيع المنافسة غداً. إذا استثمر في بناء وتطوير الأكاديمية والملعب، وبنى قاعدة جماهيرية، وزاد الرعايات والمبيعات والإيرادات التجارية، بينما يستطيع منافس آخر الحصول في أي وقت على تمويل استثنائي بمئات الملايين وتحويله إلى قوة إضافية في سوق اللاعبين، فإن المستثمر يواجه مخاطرة يصعب قياسها.
لذلك فإن عدالة المنافسة المالية ليست شأناً رياضياً فقط؛ بل جزء من جاذبية الاستثمار والحوكمة وقيمة الأصل نفسه.
وتزداد أهمية هذا السؤال مع تطبيق مسار ضبط تكلفة الفريق في الأندية السعودية، الذي يربط الإنفاق بنسبة من إيرادات النادي وصولاً إلى 70%، وهي خطوة مهمة نحو الاستدامة المالية، لكنها تجعل تعريف «الإيرادات» نفسها مسألة جوهرية: ما الذي يدخل تحديداً ضمن هذه الإيرادات؟ وهل تعامل التبرعات والهبات والمساهمات الاستثنائية بالطريقة نفسها التي تعامل بها إيرادات الرعاية والتذاكر والمنتجات والحقوق التجارية؟ وهل يستطيع دعم استثنائي كبير أن يرفع تلقائياً سقف الإنفاق على الفريق، أم أن له تصنيفاً ومعالجة مختلفة؟ فالنسبة وحدها لا تجيب عن السؤال إذا لم يكن تعريف ما يدخل في احتسابها واضحاً.
ما يطرح ليس سؤالاً نظرياً. فقد أعلنت وزارة الرياضة في يونيو الماضي تسجيل أكثر من 80 اهتماماً للاستحواذ على 22 نادياً من مستثمرين محليين ودوليين. وعندما نصل إلى هذا الحجم من الاهتمام، يصبح وضوح القواعد المالية وشفافيتها واستقرارها وعدالة تطبيقها جزءاً من البيئة التي نعرضها على المستثمر.
جانب آخر لا يقل أهمية: ألا تتحول قوتنا المالية نفسها إلى نقطة ضعف تفاوضية.
من الطبيعي أن تدفع كرة القدم السعودية في مرحلة بناء منتجها علاوة إضافية لاستقطاب بعض النجوم العالميين. وقد تكون هذه «علاوة استراتيجية» مبررة عندما يضيف اللاعب قيمة فنية وتجارية وإعلامية.
لكن الخطر أن تتحول إلى ما يمكن أن نسميه “الامتياز أو الجائزة السعودية”؛ أن يرفع اللاعب أو النادي البائع أو الوكيل السعر والراتب والعمولة لمجرد أن المشتري سعودي، انطلاقاً من افتراض أن الأموال متاحة والقدرة على الدفع عالية. في الأسواق، عندما يعرف الطرف الآخر أنك تستطيع أن تدفع، سيختبر دائماً إلى أي مدى يستطيع أن يجعلك تدفع.
والأمر لا ينتهي عند شراء اللاعب. قد يتبقى له عامان في عقده ثم يقرر النادي الاستغناء عنه. فإذا كان اللاعب ووكيله يعرفان أن النادي قادر على تحمل التكلفة، فقد ترتفع أيضاً تكلفة الخروج وتسوية المدة المتبقية. فنكون قد دفعنا علاوة عند الدخول إلى الصفقة، ثم قد ندفع علاوة أخرى عند الخروج منها. فتصبح هنا الحوكمة المالية قوة تفاوضية وليست مجرد رقابة محاسبية. عندما تكون هناك حدود واضحة يعرفها النادي واللاعب والوكيل والنادي البائع، تتغير طبيعة التفاوض نفسها، ويصبح من الأصعب بناء السعر على افتراض أن الأموال مفتوحة.
هذا يعيدنا إلى الجدل القائم دوما بين عاطفة الجمهور والمهتمين في الوسط الرياضي حول معنى «الداعم المحب». إذا أراد رجل أعمال أن يقدم لنادٍ يحبه 500 مليون ريال، فأين يصنع هذا المال قيمة أكبر؟ قد يذهب إلى مجموعة عقود ينتهي أثرها بانتهاء مدتها. وقد يبني أكاديمية ومركز تدريب ومنشآت طبية ورياضية، أو يطور الملعب ويخلق أصولاً تجارية واستثمارية وأوقاف تولد للنادي دخلاً لسنوات. ليس المطلوب منع الدعم عن الفريق الأول، فالنجوم والنتائج جزء من صناعة واقتصاد كرة القدم. لكن هناك فرقاً اقتصادياً كبيراً بين مال نستهلكه في عقد، ومال نحوله إلى أصل.
ربما يكون أفضل ما يقدمه محب لناديه ليس شراء نجم هذا الصيف، بل بناء أصل يجعل النادي قادراً بعد سنوات على شراء نجومه من إيرادات النادي التجارية.
السعودية ليست أمام فراغ تنظيمي. هناك رقابة مالية ومتطلبات للكفاءة المالية وتراخيص للأندية، ونظام رياضة جديد، ومسار متسارع للتخصيص والاستثمار. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل لدينا تنظيم أم لا؟ السؤال الأدق هو: كيف تعامل أنظمتنا التمويل والدعم الاستثنائي للأندية، وإلى أي مدى أصبحت هذه القواعد واضحة ومعلنة ومفهومة للسوق؟
محافظ صندوق الاستثمارات العامة الأستاذ ياسر الرميان طرح جانباً مهماً من الصورة عندما أكد أن دعم الصندوق للأندية التي يملك فيها حصصاً متساوٍ، وأن الفوارق تأتي من دعم أعضاء الشرف والمشجعين لأنديتهم. هذا يعيدنا إلى جوهر المسألة: القضية ليست في منع هذا الدعم، بل في معرفة ما يحدث له بعد دخوله إلى النادي. كيف يُصنف؟ وكيف يُحتسب؟ وهل يرفع قدرة النادي على الإنفاق على اللاعبين، أم يبقى تمويلاً للنادي يخضع لمعاملة مختلفة؟
إذا حصل نادٍ على 500 مليون ريال من خارج إيراداته المعتادة، هل هو تبرع؟ مساهمة رأسمالية؟ قرض؟ رعاية؟ وإذا كان رعاية، فما قيمتها العادلة؟ وما أثر كل تصنيف على القدرة المسموح بها للإنفاق على الفريق؟ وكيف تُعامل الأموال المستخدمة في تسويات إنهاء عقود اللاعبين؟
هذه ليست أسئلة ضد الدعم، بل أسئلة لحمايته من أن يتحول إلى سباق في القدرة على الدفع. فكلما ارتبط نمو الإنفاق بنمو اقتصاد النادي نفسه، أصبح لدى الأندية حافز أكبر للابتكار وتطوير الرعاية والتذاكر والمنتجات التجارية والأكاديميات والأصول، بدلاً من انتظار المساهمة الاستثنائية التالية.
وإذا كانت لدينا بالفعل قواعد تفصيلية تجيب عن هذه الأسئلة، فإن نشرها وتبسيطها والتوعية بها لا يقل أهمية عن وجودها. يحتاجها المستثمر قبل أن يضع أمواله، والنادي قبل أن يتعاقد، والباحث ومتخذ القرار لتقييم التجربة، والإعلام قبل أن يحكم على الصفقة، والجمهور العاطفي حتى يفهم لماذا يستطيع نادٍ اتخاذ قرار مالي قد لا يستطيع نادٍ آخر اتخاذه. فالسوق الناضج لا يحتاج المال فقط، بل يحتاج قواعد يستطيع الجميع فهمها والتنبؤ بها والثقة في تطبيقها.
كلما اتسع الحضور الدولي للرياضة السعودية، أصبحت جودة نموذجها المحلي جزءاً من صورتها وتأثيرها الخارجي. فالقوة المالية تستطيع استقطاب النجوم، لكنها وحدها لا تبني صناعة واقتصاد رياضي مستدام. الانتقال الحقيقي من مرحلة الدعم إلى مرحلة الاستثمار لا يعني أن يتوقف محب النادي عن دعمه، بل أن يتحول السؤال من: من يستطيع أن يدفع أكثر؟ إلى: من يستطيع أن يبني نادياً أقوى وأكثر استدامة، داخل منافسة عادلة وجاذبة للاستثمار؟

