الشركات السعودية.. وسباق نصف الثانية
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في عالم السباقات، وخصوصاً الفورمولا 1، نصف ثانية قد تعني الفرق بين الفوز والخسارة.
لكن الأهم أن نصف الثانية لا تأتي عادة من مكان واحد.
لا يستيقظ فريق الفورمولا 1 صباح يوم السباق ليكتشف فجأة أنه وجد نصف ثانية سحرية. الزمن يُنتزع من السيارة قطعة قطعة: تحسين في الانسيابية، إعداد أفضل لنظام التعليق، إدارة أكثر كفاءة للإطارات، سائق يكبح متأخراً قليلاً، مهندس يقرأ البيانات بصورة أسرع، وفريق ينفذ توقف الصيانة في اللحظة المناسبة.
كل عنصر قد لا يمنح الفريق أكثر من أجزاء من الثانية.
لكن عندما تتراكم الأجزاء، يظهر الفارق على لوحة النتائج.
وهنا تكمن واحدة من أهم الدروس التي يمكن أن يتعلمها عالم الأعمال.
الشركات لا تخسر دائماً لأنها سيئة. أحياناً تخسر لأنها أبطأ قليلاً، وأعقد قليلاً، وأقل كفاءة قليلاً في أشياء كثيرة.
وهذه هي «نصف الثانية».
الفورمولا 1: لا أحد يفوز بالصدفة
تاريخ الفورمولا 1 الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد أن السباق لا يحسمه عنصر واحد.
عندما سيطر فريق مرسيدس على الفورمولا 1 في حقبة المحركات الهجينة، لم يكن تفوقه مجرد نتيجة لمحرك قوي. كان التفوق نتاج منظومة كاملة: وحدة طاقة، ديناميكا هوائية، إدارة إطارات، استراتيجية سباق، تحليل بيانات، عمليات تطوير، وسائقين قادرين على تحويل كل هذه المزايا إلى زمن على الحلبة.
وعندما صعد ريد بُل إلى القمة، لم يكن السبب أن سيارة ماكس فيرستابن كانت أسرع بشكل خارق في كل جزء من الحلبة. كان الفريق يبحث باستمرار عن أجزاء من الثانية.
وفي عام 2021، على سبيل المثال، أظهرت تحليلات الفورمولا 1 كيف يمكن لفارق صغير في سرعة اللفة الواحدة أن يتحول عبر عشرات اللفات إلى فارق كبير في نهاية السباق
وهذا هو جوهر الفكرة:
الميزة الصغيرة لا تبقى صغيرة عندما تتكرر.
في عام 2026، تقدم مرسيدس مرة أخرى مثالاً مختلفاً. فحتى الفريق المتصدر لا يتعامل مع الأداء باعتباره أمراً ثابتاً. ومع تغير ميزان القوة وظهور مكاسب كبيرة لدى مكلارين، أصبحت إدارة التطوير وتحديد أين تنفق موارد التطوير جزءاً من المعركة نفسها.
بل إن نظام الاتحاد الدولي للسيارات يسمح في 2026 بفرص تطوير إضافية لوحدات الطاقة التي تتأخر عن أفضل أداء ضمن حدود معينة؛ وهو اعتراف تنظيمي بأن الفروق الصغيرة في الأداء يمكن أن تكون ذات أهمية تنافسية كبيرة.
الفورمولا 1 إذن ليست مسابقة (من لديه أفضل سيارة؟) فقط.
إنها مسابقة:
من يستطيع استخراج أكبر قدر من الأداء من كل مكوّن في المنظومة؟
وهذا بالضبط هو السؤال الذي يجب أن تطرحه الشركات السعودية.
أين توجد نصف الثانية في الشركة السعودية؟
السؤال ليس ما إذا كانت الشركات السعودية قادرة على المنافسة.
فالكثير منها أصبح يمتلك رأس المال، والتكنولوجيا، والكوادر، والأسواق، والدعم المؤسسي الذي يسمح له بالمنافسة عالمياً.
السؤال الأصعب هو:
هل تستخرج هذه الشركات كل ما يمكن استخراجه من هذه الموارد؟
خذ أرامكو مثالاً.
تقريرها السنوي لعام 2025 يوضح أن الشركة لا تعتمد فقط على حجم الاحتياطيات أو الإنتاج، وإنما تؤكد على الإنتاج منخفض التكلفة، والمرونة التشغيلية، والرقمية، والتكنولوجيا، والتكامل عبر سلسلة القيمة. وفي 2025 وصلت موثوقية الإمدادات إلى 99.9%، مقارنة بـ99.7% في 2024.
هذا الرقم الصغير، 0.2 نقطة مئوية، قد يبدو غير مهم عند النظر إليه منفرداً.
لكنه في شركة بهذا الحجم ليس رقماً صغيراً بالضرورة.
لأن تحسيناً بسيطاً في الموثوقية التشغيلية، عندما يطبق على منظومة ضخمة، يمكن أن تكون له قيمة اقتصادية هائلة.
هذه هي فلسفة نصف الثانية.
ليست القضية أن تجعل المصنع أسرع بنسبة 50%.
بل أن تجعل آلاف العمليات داخله أفضل قليلاً.
نصف الثانية في الخدمات الرقمية
خذ قطاع الاتصالات مثالاً آخر.
تقرير stc لعام 2025 يوضح استمرار الشركة في الاستثمار في الشبكات المتقدمة، ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، مع التركيز على التنفيذ والانضباط الاستثماري. وحققت المجموعة نمواً في الإيرادات بنسبة 2.5% بحسب تقريرها السنوي.
لكن في قطاع الاتصالات، الميزة ليست فقط في امتلاك الشبكة.
الميزة في ما يشعر به العميل عبر الشبكة.
هل يستغرق تحميل الخدمة ثانية أقل؟
هل يستطيع العميل إتمام معاملته دون الاتصال بمركز الخدمة؟
هل يتم حل المشكلة من أول محاولة؟
هل تستطيع الشركة اكتشاف العطل قبل أن يبلغ عنه العميل؟
هل تنتقل المعلومة بين الأنظمة دون تدخل بشري؟
هذه كلها «أنصاف ثوانٍ» تجارية.
وفي سوق رقمي، قد تكون قيمة هذه الأنصاف أكبر من قيمة حملة إعلانية كاملة.
SAL: عندما تتحول نصف الثانية إلى أرقام
ربما يقدم قطاع الخدمات اللوجستية المثال الأكثر وضوحاً.
شركة SAL للخدمات اللوجستية تشير في تقريرها السنوي لعام 2025 إلى أن إحدى مبادراتها الرقمية أدت إلى تحسين ما يعادل 190 ألف ساعة، أي ما يعادل إنتاجية نحو 80 موظفاً بدوام كامل، مع قيمة إنتاجية مقدرة بنحو 17 مليون ريال)
هنا تتحول الفلسفة إلى أرقام.
لم تخترع SAL اقتصاداً جديداً.
بل استخدمت الرقمنة لتحسين الطريقة التي تعمل بها.
الساعات التي لم تعد تضيع أصبحت إنتاجية.
والإنتاجية أصبحت قيمة.
وهذه هي «نصف الثانية» عندما تصبح استراتيجية.
سَابِك: نصف الثانية في رأس المال
في الصناعات الثقيلة، لا تكمن الميزة فقط في زيادة الإنتاج.
قد تكون في إدارة رأس المال بصورة أفضل.
تقرير SABIC لعام 2025 يبرز التحكم في التكاليف، وتحسين رأس المال العامل، وكفاءة نشر رأس المال، إلى جانب تحسين المحفظة والاستمرار في الابتكار والتحول الرقمي.
وهنا نجد درساً مهماً.
قد لا يحتاج المدير التنفيذي إلى اكتشاف مشروع جديد بقيمة مليارات الريالات.
ربما تكون القيمة في تحسين دوران رأس المال العامل قليلاً.
أو تقليل المخزون قليلاً.
أو تسريع دورة التحصيل.
أو إيقاف استثمار منخفض العائد.
أو إعادة تخصيص رأس المال من نشاط ضعيف إلى نشاط أعلى عائداً.
هذه ليست قرارات تصلح عادة لعناوين الصحف.
لكنها تصنع قيمة المساهمين.
وهنا أيضاً توجد نصف الثانية.
المشكلة ليست دائماً التكنولوجيا
وهنا يجب الحذر من خطأ شائع.
عندما نتحدث عن تحسين الأداء، نميل فوراً إلى الحديث عن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع إصلاح منظمة صممت إجراءاتها بشكل سيئ.
إذا كان لديك عشرة مستويات للموافقة، فإن رقمنة الموافقات العشرة لن تجعل المؤسسة رشيقة.
ستصبح فقط بيروقراطية رقمية أسرع.
وهذا يعيدنا إلى تحذير بيتر دراكر:
(ليس هناك ما هو أكثر عبثاً من أن تؤدي بكفاءة عالية عملاً لا ينبغي القيام به أصلاً.)
قبل أن تسأل الشركة:
كيف نؤتمت العملية؟
يجب أن تسأل:
هل نحتاج إلى هذه العملية أصلاً؟
وقبل أن تستثمر في نظام جديد، يجب أن تسأل:
أين يضيع الوقت الآن؟
نصف الثانية بين الإدارات
ربما تكون أكبر فرصة لتحسين الشركات السعودية في مكان لا يظهر في الميزانية بسهولة:
بين الإدارات.
بين المبيعات والمالية.
بين التقنية والعمليات.
بين الشركة ومورديها.
بين الشركة والجهات التنظيمية.
بين المركز والفروع.
بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية.
وبين القرار والتنفيذ.
كل نقطة اتصال تضيف احتكاكاً.
وهنا تصبح فلسفة الفورمولا 1 شديدة الأهمية.
السيارة ليست هي الفريق.
والسائق ليس هو الفريق.
والمهندس ليس هو الفريق.
الفوز هو نتيجة المنظومة كلها.
وفي الأعمال، قد يكون لديك أفضل مدير تنفيذي في السوق، لكن إذا كان عليه الانتظار ثلاثة أسابيع للحصول على البيانات، أو شهر للحصول على موافقة، أو عدة أشهر لتنفيذ قرار اتخذه، فإن الشركة تترك «نصف ثانية» في كل مرحلة.
ومع الوقت تتحول نصف الثانية إلى سنوات.
السرعة ليست الهدف
لكن هناك نقطة أكثر عمقاً.
ليس الهدف أن تصبح الشركة أسرع في كل شيء.
الهدف أن تصبح أسرع في الأشياء التي تصنع القيمة.
وهنا تأتي حكمة مايكل بورتر:
(جوهر الاستراتيجية هو اختيار ما لا ينبغي القيام به).
الشركة الذكية لا تسأل فقط: كيف نعمل بشكل أسرع؟
بل تسأل:
ماذا يجب أن نتوقف عن فعله؟
ما المنتج الذي لا يحقق عائداً؟
ما الاجتماع الذي لا ينتج قراراً؟
ما الإجراء الذي لا يحمي الشركة ولا يخدم العميل؟
ما النظام الذي أصبح عبئاً؟
ما الاستثمار الذي يستهلك رأس المال دون عائد مناسب؟
ما الطبقة الإدارية التي تضيف وقتاً ولا تضيف قيمة؟
كل شيء يتم إلغاؤه يمكن أن يعيد للشركة جزءاً من «نصف الثانية».
من شركات جيدة إلى شركات عالمية
هذه المسألة مهمة خصوصاً للشركات السعودية في مرحلة التحول الاقتصادي.
لقد انتقل التحدي من بناء شركات قادرة على العمل محلياً إلى بناء شركات تستطيع المنافسة خارج المملكة.
وهنا تختلف المعايير.
في السوق المحلي، قد تستطيع الشركة أن تعوض بعض أوجه عدم الكفاءة بحجم السوق أو قوة العلامة أو قربها من العميل.
لكن عندما تدخل سوقاً عالمياً، تصبح المنافسة أكثر قسوة.
ستنافس شركة يابانية أكثر كفاءة.
وشركة أمريكية أسرع في اتخاذ القرار.
وشركة صينية أقل تكلفة.
وشركة أوروبية أكثر تخصصاً.
عندها لن يكون السؤال:
هل شركتك جيدة؟
بل:
هل هي أفضل بما يكفي؟
وهذه كلمة (بما يكفي) هي جوهر نصف الثانية.
قد لا تحتاج الشركة السعودية إلى أن تكون أفضل من منافسها بعشرة أضعاف.
لكن إذا كانت تستطيع أن تكون أفضل بنسبة صغيرة في التكلفة، والسرعة، والجودة، وخدمة العميل، وتخصيص رأس المال، والابتكار، فإن هذه النسب الصغيرة يمكن أن تتحول إلى ميزة يصعب اللحاق بها.
السؤال الذي يجب أن يطرح في مجالس الإدارة
ربما حان الوقت لأن يصبح (نصف الثانية) سؤالاً إدارياً.
عندما تعرض الإدارة استراتيجيتها على مجلس الإدارة، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
ما حجم السوق؟
كم سنستثمر؟
كم نتوقع أن نحقق من الإيرادات؟
بل يجب أن يكون هناك سؤال آخر:
أين نصف الثانية؟
أين يمكننا أن نكون أسرع من المنافس؟
أين يمكننا أن نكون أكثر كفاءة؟
أين يمكننا أن نزيل خطوة؟
أين يمكننا أن نمنح العميل تجربة أفضل؟
أين يمكننا أن نحرك رأس المال أسرع؟
أين يمكننا أن نتخذ القرار قبل الآخرين؟
وأين نخسر الوقت دون أن نشعر؟
هذه الأسئلة قد تبدو بسيطة.
لكنها ليست كذلك.
لأنها تجبر الإدارة على الانتقال من التفكير في الاستراتيجية كوثيقة إلى التفكير في الاستراتيجية كأداء يومي قابل للقياس.
الفوز لا يحتاج دائماً إلى قفزة
في نهاية المطاف، لا تعلّمنا الفورمولا 1 أن الفوز يحتاج دائماً إلى سيارة خارقة.
بل تعلمنا شيئاً أكثر واقعية:
أن التفوق يمكن أن يُبنى من تفاصيل صغيرة لا يتوقف عندها أحد.
وهذه ربما تكون الرسالة الأهم للشركات السعودية اليوم.
المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط بحجم رأس المال أو حجم السوق.
ستُحسم بالإنتاجية.
بسرعة القرار.
بجودة التنفيذ.
بكفاءة رأس المال.
بالتكنولوجيا التي تحقق قيمة حقيقية.
وبقدرة الشركة على تحويل كل مورد متاح إلى أداء أفضل.
لا تبحث عن خمسين بالمائة.
ابحث عن نصف الثانية.
ثم نصف ثانية أخرى.
ثم ثالثة.
احذف خطوة.
سرّع قراراً.
قلل خطأ.
حسّن عملية.
احتفظ بعميل.
حرّك رأس مال.
اختصر يوماً.
ثم افعل ذلك مرة أخرى.
لأن نصف الثانية، منفردة، لا تعني شيئاً.
لكن آلاف أنصاف الثواني المتراكمة قد تكون هي الفارق بين شركة تنافس، وشركة تفوز.
وفي نهاية السباق، لا يتذكر أحد كم كانت الفروق صغيرة.
يتذكرون فقط من عبر خط النهاية أولاً
