الرأي
الذكاء الاصطناعي وترجمة المصطلحات
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
ظل تعريب الألفاظ الأجنبية الجديدة تحديا للغويين والكتاب والعلماء منذ القدم. كان لدى القدماء من السليقة اللغوية والمخزون المعجمي ما يمكنهم من انتقاء اللفظ المعبر، أو التعريب الصحيح. فقد كان العرب إذا لم يجدوا لفظا معبرا مناسبا، يعرّبون اللفظ الأجنبي بالموازين اللغوية العربية، صرفا وصوتا، فلا يشعر السامع أو المتكلم بعجمة اللفظ، أو بأنه دخيل. فلذلك تنتشر وتدرج في معجم العامة والمتخصصين.
لكن في العصور المتأخرة، ومع التساهل في استخدام الألفاظ الأجنبية وضعف السليقة اللغوية العربية (أو انعدامها!) صارت الألفاظ المترجمة أو المعربة ضعيفة الانتشار، وربما مستثقلة، وشاع بدﻻ منها اللفظ الدخيل. ويعود السبب بدرجة كبيرة إلى (الإعلام)، الذي يميل إلى استخدام اللفظ الأجنبي، لكون البديل العربي لم يستقر أو لم ينتشر. فأذكر مثلا عندما ورد جهاز (النداء الآلي) – البيجر – استُخدم المصطلح العربي رسميا على نطاق واسع (خاصة في السعودية)، لكن لانتشار الاسم الأجنبي في كثير من وسائل الإعلام، غلب على الاستعمال. واللغة في النهاية ليست معجما، بل استعمال.
تعريب اللفظ ليس فقط مجرد إدخال لفظ بصيغة عربية إلى المعجم العربي، بل تعريب اللفظ يفتح الباب للاشتقاق من هذا اللفظ المعرب، مما لا يسمح به اللفظ الأجنبي إذا نقل كما هو. فتلفاز فتحت الباب ل (تلفزة) و (متلفز) و (تلفزي)، ونحو ذلك.
كتبت مقالا عن (الذكاء الجديد!) واستخدمت كلمة (الذكاء الصناعي)، فوردني عدد من الملاحظات حول هذه التسمية. وأن (الاصطناعي) هي الأدق في الترجمة، وهي الأكثر فشّوا، في الأدبيات والإعلام. ومن المعروف أن التسميات المتداولة لهذا الذكاء ترجمة، ولو بالمعنى، لكلمتي artificial intelligence أو ما يعرف اختصارا ب (AI). فكثير يرى أن اصطناعي مقابل ل (آرتيفيشل)، التي تعني أنه مصنوع وغير طبيعي، وأن صناعي نسبة إلى (الصناعة). وأنا لا أريد أن أناقش الدقة اللغوية، لأني أرى أن سهولة الاستخدام قولا وكتابة أدعى لانتشار الاستخدام، وأريح للأذن عند النطق. فليس في كلمة (اصطناعي) – لا في العربية ولا الإنجليزية – ما يسوغ التمسك بها. وعلماء اللغة المتقدمون عندما قسموا (المصادر) سمّوا قسما منها (المصدر الصناعي)، أي أنه مصنوع، وﻻ يزال هذا مستخدما بينهم.
وأنا أقترح استخدام إحدى ثلاث بدائل: الأول (الذكاء الآلي)، والثاني منحوتُه (الذكالي)، والثالث (الذكا)، بالمد دون الهمزة. وربما نضيف مصطلحا رابعا وهو (الذكاء الجديد). وقد خطر في ذهني فقط عند افتتاح هذا المقال!
ويغلب على ظني أننا لو دققنا في المعاجم العربية لوجدنا كلمة من مرادفات الذكاء أو التفكير أو التدبر تناسب هذ النوع من الذكاء، أو يصح أن تطلق على نوع من أنواع الذكاء قريب منه. كما فعل مترجو القرن العشرين عندما استخدموا كلمة (برقية) بدل (التلجراف).
فأنا أدعو إلى نخل المعاجم القديمة للبحث عن كلمات (ميتة) لتحيا في معاني مشابهة جديدة. وهذه مسؤولية اللغويين والأدباء، لقربهم من المعاجم. وأذكر مثالا على ذلك مما مر بي كلمة (الحَكَمة)، وهي الحديدة التي تكون في لجام الحصان، في فمه، وتساعد الراكب في التحكم فيه. فأرى أنها مناسبة جدا لما يسمى الآن (الريموت كنترول)، ومعبرة بدقة عنه.
ومثال آخر (الإيميل). يتقصد كثير من المتحدثين استخدام عبارة (بريد إلكتروني) بدلا من (إيميل)، ويظن أنه بذلك يحافظ على اللغة العربية. مع أن (بريد) في الأصل ليست عربية، بل معربة، كما أن إلكتروني ليست عربية ولا معربة! ولو استخدمنا لفظا مسهلا من (إيميل) لسهُل على اللسان، وسهل اشتقاق فعلٍ منه. فالعرب تقول (أبرد إليّ بريدا)، أي أرسل إلي رسالة أو رسولا. فلو عربنا إيميل ب (إميل)، أو نحوها مما يرتضيه أهل اللغة، لأمكن اشتقاق فعل، بأن نقول – مثلا – إيملني ، أو آملني. بدل أن نقول: (ارسل لي إيميل، أو أرسل لي بريدا إلكترونيا). وكذلك لفظ (بي دي إف) الذي هو وصف لنوع من أنواع الملفات الإلكترونية، وعبارة عن حروف إنجليزية تمثل ثلاث كلمات. فلو استخدمنا كلمة (مبيدف) أو (مبدأف)، لكان معبرا، ويسهل أيضا اشتقاقُ فعل منه، فنقول: بَيدِف (أو بدئف) المستند، وإيمله لي، أو أيملني به، أو آملني به. أنا أفضل مبيدف، لأنها أهيأ للنطق والكتابة، وألين على الأذن، ولا أدري عن الأصوب صرفيا.
ويجب أن لا نتشدد في قضية التعريب والترجمة، إذ إن كثيرا من هذه الألفاظ خاصة المتعلقة بالتقنية، سريعة الزوال لزوال مسمياتها أو تطورها بأسماء أخرى.

