الرأي

من ويمبلدون إلى تعصبنا العربي… ذكريات تنس

د. سليمان الذييب

كاتب ومؤرخ وأستاذ الكتابات العربية القديمة

المباراة التي أقيمت قبل أمس وجمعت أحد عمالقة اللعبة الذي سيطر عليها عقدين كاملين، الصربي نوفاك دجوكوفيتش، والفرنسي أرثر فيليكس، في ملاعب ويمبلدون واستمرت أكثر من خمس ساعات متواصلة، تؤكد أن التنس الأرضي من أمتع الرياضات وأقساها.

ومتابعتها لا تعود فقط إلى التشويق والحماس اللذين نجدهما في هذه اللعبة، بل لمكانتها في قلوب عشاقها. فهي لعبة النبلاء الذين يتميزون بالصبر والهدوء والأناة والإصرار على تحقيق الانتصار دون غش أو خداع.

وقد أعادت هذه المباراة ذكريات قبل أكثر من أربعة عقود، عندما ذهبتُ لتعلم اللغة الإنجليزية في بريطانيا، وكانت أول سفرة ليّ إلى أوروبا. وقد أسكنني معهد اللغة وقتها مع عائلة بريطانية في قرية “إيلي” Ely قرب كامبريدج. وهي من العائلات الغنية في المنطقة، فقد كانت تمتلك مكاتب البريد ومحلات عدة للدراجات في نواحٍ عدة من بريطانيا.

وصادف بعد أسابيع من وصولي بداية بطولة ويمبلدون، وكانت مصادفة غريبة أنها في شهر رمضان المبارك. شارك فيها الشاب الأمريكي “جون ماكنرو” الذي امتاز بكونه سريع الغضب، كثير الصراخ على الحكام، واشتهر بعبارته: “You cannot be serious!”. وأسلوبه هذا استفز الجمهور البريطاني كله ودفعهم إلى التذمر منه وعدم تشجيعه، مع أنه كان ملح البطولة. ومن هؤلاء الذين تمنوا هزيمته العائلة التي سكنتُ عندها والمكونة من خمسة أفراد.

والمفارقة! أني كنتُ الوحيد المشجع لماكنرو رغم عنجهيته، أفرح لفوزه وأتأثر لهزيمته وأتصدى لنقاده. ومع مواقفي المناهضة لجميع أفراد العائلة إلا أنهم شجعوني على ممارستها وعلى ألعاب أخرى، فزودوني – رغم تكاليفها – بالزي الخاص لهذه الألعاب: التنس الأرضي والجولف، وصيد السمك، والبولو التي يمارسها عادة الأغنياء.

وهكذا مارستُ كل هذه الألعاب لأول مرة في حياتي. ولأنني من ثقافة مختلفة فقد صُدمت عندما كان يأخذني معه الجد – رئيس مجلس إدارة شركتهم – إلى النهر لصيد السمك؛ فبعد أن نلبس الزي الخاص نمضي على الأقل ساعتين وأحيانًا ثلاث ساعات في هدوء وترقب ونغطي رؤوسنا بقبعات خاصة من الشمس. وبعد أن نصطاد – وطبعًا صيده أكثر بكثير مني – يقوم بإعادة السمك إلى النهر. وفي المرة الأولى اندهشتُ كثيرًا: كيف نضيع الوقت في الصيد وبعدها نعيد ما صدنا؟ وبعد مدة فهمتُ أن الهدف تعويد النفس على الاسترخاء وإخراج القلق والهم من داخلنا، إذ لم يكن السمك هو الهدف.

وبعد اعتزال أساطير اللعبة وقتها، مثل: الأمريكي بيت سامبراس، ومواطنه أندريه أغاسي، والألماني بوريس بيكر، ساعد ظهور أساطير جدد، مثل: السويسري روجر فيدرر، والإسباني رافائيل نادال، على استمرار متابعتي من وقت لآخر لفعاليات هذه اللعبة. واليوم بعد اعتزالهما بدأت أفقد ذلك الاهتمام، فأشعر أن اللعبة فقدت سحرها. وعندما أشاهدها أحِن لتلك الأيام، وإلى عنادي مع الأصدقاء في بريطانيا في مناكفتهم بتشجيع ماكنرو.

ولو قارنت هذه الروح الرياضية مع ما نشاهده اليوم في عالمنا العربي من تعصب غير مبرر أحزن على حال العرب. فقد حولوا الرياضة من متعة إلى “حرب كرامة”.

فإن أبدى مصري أو مغاربي وجهة نظره، إما ثناءً على إيجابيات أو إشارة إلى سلبيات دوري روشن، هُوجم بشدة وقيل له: لا تتدخل في دورينا. أو لو رفع يمني علم الأرجنتين في مصر لقامت الدنيا ولم تقعد. وانظر إلى الجزائر والمغرب… جيران وإخوة لكن عداوتهم الكروية بلا سبب. ولا أعلم متى نستوعب أن الرياضة فوز وخسارة؟

نعم الحكام يخطئون، لكن أن تصل إلى الاتهام بالمؤامرة والتخوين من جماهير الأهلي والزمالك، أو الهلال والنصر والاتحاد والأهلي… فهنا المشكلة العويصة التي لا تبشر بخير على الإطلاق (أحد أسبابها الإعلام الرياضي ووزارت الرياضة). فعلينا أن نتعلم أن الفوز والخسارة أمران طبيعيان. نواسي الخاسر ونبارك للمنتصر، فقد تكون أنت أيها المنهزم هلاليًا أو أهلاويًا أو نصراويًا أو زملكاويًا الفائز في العام القادم.

وأخيرًا لفت انتباهي مبادرة رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور المعروف بتفاعله مع المجتمعات العربية واستثماراته فيها، (وليسمح ليّ أني لا أتفق معه في أمور أخلاقية أخرى فهي من سقطاته)، إهداؤه لاعبي المنتخب المصري سيارة ميتسوبيشي لكل لاعب لا شك أن نيته طيبة ويشكر عليها.

وأرجو أن يسمح لي بالقول: تمنيتُ أن تبرعه هذا كان بناء ملعب رياضي متكامل في مدينة الزقازيق، أو نادي رياضي في أسيوط، أو عيادات رياضية في القاهرة. فاللاعبون بخير وليسوا بحاجة إلى تبرعات عينية -كما أخبرني بعض الإخوة في بلدنا مصر الغالية. والذي تحتاجه مصر هي البنية التحتية التي سيثاب عليها. ولا يمنع أن يُشرك المغرب في تبرعاته – لا للاعبين، بل لبنية تحتية – التي نشكره عليها وهي ليست غريبة على أبناء الإمارات الطيبين، وعلى الحبتور تحديدًا. فمتى نفهم أن الرياضة أخلاق قبل أن تكون أرقامًا؟

مبارك للمغرب ولمصر على إسعاد جماهيرهما داخل بلديهما وخارجهما. والعزاء للمنتخب السعودي الذي مع الدعم الكبير لم يتقدم إلى الأمام مع الأسف، بل يتراجع ما دام الأشخاص الذين كانوا سببًا في الفشل يُصرون على استمرارهم في التنغيص على المشجع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات