من تعرف .. لا ماذا تعرف !!
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في بيئات عمل كثيرة ، لا تكون المشكلة في غياب الكفاءات ، بل في غياب العدالة التي تراها. فكم من موظف مخلص قضى سنواته يعمل بصمت ، ينجز أكثر مما يتحدث ، ويعطي أكثر مما يطلب ، ثم وجد أن الترقيات لا تمر من بوابة الجدارة ، بل من أبواب العلاقات .
ليست هذه حكاية فرد واحد ، بل ظاهرة يعرفها كثيرون . هناك من ظن أن العمل المتقن يكفي، وأن المسؤول العادل لا يحتاج إلى من يلفت نظره ، وأن الخبرة والالتزام والنزاهة ستأخذ صاحبها إلى مكانه الطبيعي . لكنه اكتشف، بعد سنوات من الانتظار، أن بعض المؤسسات لا تسأل : ماذا تعرف ؟ بل تسأل ولو بصمت: من تعرف؟
المؤلم في الأمر أن الظلم هنا لا يصيب الأفراد وحدهم ، بل يصيب المؤسسة نفسها . فحين يتقدم الأقل كفاءة لأنه أقرب ، ويتأخر الأجدر لأنه أهدأ ، تخسر بيئة العمل ثقة المخلصين ، ويتراجع الحماس ، ويشعر المجتهد أن صمته صار عيباً ، وأن نزاهته لم تعد تكفي . أما الأكثر إيلاماً ، هو أن هؤلاء لا ضمائر عندهم تجعلهم يندمون على ما يقومون به من ظلم على الاخرين .
نعم ، العلاقات الإنسانية مطلوبة ، وحسن التواصل جزء من النجاح ، لكن الخلل يبدأ حين تصبح العلاقة بديلًا عن الكفاءة ، وحين يتحول القرب من المسؤول إلى مؤهل غير معلن ، يفوق الخبرة والإنجاز .
نحتاج إلى بيئات عمل لا تعاقب الهادئ لأنه لا يجيد الظهور، ولا تنسى المخلص لأنه لا يطرق الأبواب ، ولا ترفع من يجيد الاقتراب على حساب من يجيد العمل .
فالعدل الوظيفي ليس مجاملة ، بل أساس نجاح المؤسسات . ومتى أصبح السؤال : ماذا أنجزت؟ لا: من تعرف ؟ عندها فقط يشعر المخلصون أن تعبهم لم يذهب سدى .