في العيد .. عوضوا غربتهم
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
ليست الغربة أن يبتعد الإنسان عن وطنه فقط، بل أن يعيش بين الناس ولا يجد من يلتفت إلى وجعه ، أو يسأل عن حاله ، أو يمنحه كلمة تشعره أنه لم يفقد كل شيء . في بلادنا يعيش بيننا آلاف المغتربين . جاؤوا من أوطان بعيدة ، وتركوا خلفهم أماً تنتظر، وأباً يشتاق ، وزوجة تصبر، وأطفالاً يعدّون الأيام .
جاءوا بحثاً عن الرزق ، لكن حاجتهم ليست للرزق وحده .
فالقلب ، أحياناً ، يجوع إلى الحنان أكثر مما تجوع اليد إلى المال . نراهم في بيوتنا ، في مكاتبنا ، في الأسواق ، في المطاعم ، في الطرقات . نمرّ بهم كل يوم وكأنهم جزء من المشهد، بينما في داخل كل واحد منهم حكاية غربة ، وذاكرة بيت ، ووجع مسافة .
نحن ، قبل كل شيء ، أبناء دين عظيم جعل الكلمة الطيبة صدقة ، وجعل الرحمة خُلقاً لا مناسبة ، وجعل الإحسان إلى الإنسان باباً من أبواب القرب من الله . لذلك ، لا تبخلوا على هؤلاء البسطاء بسلام ، بابتسامة ، بسؤال : كيف حالك ؟ . لا تجعلوهم يشعرون أن الغربة جدار آخر يضاف إلى جدار المسافة .
وفي أيام العيد تحديداً ، تصبح الغربة أكثر قسوة . فالعيد عندهم ليس ثوباً جديداً ولا مائدة عامرة ، بل ذاكرة تتحرك ، وصوت أم غائب ، وبيت بعيد ، ووجوه لا تُرى إلا عبر شاشة صغيرة .
ذات يوم ، رأيت جنازة حضرها نفر قليل من أسرة صغيرة ، لا يكاد عددهم يتجاوز أصابع اليد . يومها شعرت أن الموت قاسٍ ، لكنه في الغربة أقسى . وقد كتبت في اليوم التالي مقالاً مؤثراً تحت عنوان ” الموت في الغربة ” . أن يرحل الإنسان بعيداً عن وطنه ، بعيداً عن أصحابه ، بعيداً عن الذين يعرفون تفاصيل عمره .. ذلك وجع لا يعرفه إلا من ذاق مرارة البعد .
لو سمحتم .. عوضوا هؤلاء المغتربين عما فقدوه . عوضوهم عن بُعد الأهل ، عن وحشة الغربة ، عن قسوة الأيام برحمة لا تكلفنا شيء . فالغريب أحياناً لا يحتاج المغترب إلى أكثر من أن يشعر أن في هذا الوطن قلباً يراه ، وعيناً تنظر إليه نظرة الأخوة .
كل عام وأنتم بخير