حين تهب الأم من كبدها حياة

محمد البكر

ليست البطولة دائماً في ساحات القتال ، ولا الشجاعة دائماً في مواقف الصخب والضجيج . أحياناً تكون البطولة في غرفة عمليات صامتة ، تقرر فيها امرأة أن تمنح جزءاً من جسدها، ليبقى قلب طفل صغير نابضاً بالحياة .

الممرضة السعودية فتحيه العسيري ، زوجة ، وأم لطفلين ، لم تكتفِ بأن تكون رسالتها في رعاية المرضى ومداواة آلامهم ، بل تجاوزت حدود المهنة إلى أسمى معاني الإنسانية ، حين تبرعت بجزء من كبدها لإنقاذ طفل لا تربطها به صلة دم ، ولكن ربطتها به صلة أعمق وأطهر : صلة الرحمة .

في مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام ، كان تكريمها مستحقاً ، ليس لأنها أنقذت طفلاً فحسب ، بل لأنها قدمت درساً بليغاً في معنى العطاء . هذه الفتاة لم تتحدث كثيراً، لكنها قالت بفعلها ما تعجز عنه الخطب – إن الإنسان يستطيع أن يكون سبباً في حياة إنسان آخر – .

ما قامت به هذه الممرضة السعودية يفتح أمامنا باباً مهماً للحديث عن ثقافة التبرع بالأعضاء ، تلك الثقافة التي نحتاج إلى ترسيخها أكثر في مجتمعنا . فكم من مريض ينتظر أملاً ، وكم من أسرة تعيش بين الخوف والرجاء ، وكم من طفل يمكن أن تعود إليه ضحكته بقرار إنساني نبيل .

إنها صورة مشرّفة للفتاة السعودية ، الواعية ، الشجاعة ، المؤمنة برسالتها ، والقادرة على أن تكون نموذجاً في الرحمة والمسؤولية والتضحية . فتاة حملت قلب أم ، وضمير ممرضة ، وشجاعة إنسان لا يتردد حين يرى أمامه روحاً تستغيث.
هكذا تكون العظمة .. حين تمنح من نفسك حياة لغيرك . اللهم أجعل ما قدمته – فتحية العسيري – في ميزان حسناتها . ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات