الأب القاتل

محمد البكر

في حياة كل إنسان لحظات غضب ، لكنها لا تتساوى في أثرها . هناك لحظات تمر، وأخرى تترك ندوباً لا تُمحى . الفارق ليس في الحدث ، بل في كيفية التعامل معه . لأن لحظة واحدة غير محسوبة قد تختصر سنوات من الهدوء ، وتفتح باباً لا يمكن إغلاقه .

ما حدث في الأردن ليس خبراً عابراً، بل جرحٌ مفتوح في ضمير كل إنسان . جريمة صادمة ، لا لأنها وقعت في مكان بعينه ، بل لأنها يمكن أن تحدث في أي مجتمع عربي آخر حين يتحوّل الإنسان من مصدر أمان إلى مصدر فناء .

عند قراءة التفاصيل، لا يتوقف الذهول عند – كيف حدث – ، بل عند سؤال أكبر: كيف يصل إنسان إلى هذه اللحظة !؟ كيف تنطفئ في داخله معاني الأبوة !؟ كيف يمكن لأب أن يقتل أطفاله نحراً وبعدة طعنات !؟ يسارع البعض للبحث عن مبررات .. خلافات حضانة ، نزاع نفقة ، ضغوط نفسية .. وكأننا نحاول تخفيف هول الجريمة . لكن الحقيقة أن هذه العوامل ، مهما اشتدت ، لا تصنع قاتلاً ، بل تكشف خللاً كان كامناً ينتظر لحظة الانفجار .

في مثل هذه الجرائم ، لا يكون القتل موجهاً للأطفال بقدر ما هو موجّه للطرف الآخر. انتقام أعمى يرى في الأبناء امتداداً يجب إيلامه. وهنا تتحول الأبوة من مسؤولية إلى شعور زائف بالملكية ، فإذا اهتز هذا الشعور سقط معه كل شيء .
الأخطر من الجريمة نفسها هو ما يسبقها . لحظات الغضب غير المضبوطة ، التهديدات ، والانفعالات الحادة … كلها إشارات مبكرة ، لكنها تُفسَّر أحياناً كـ”انفعال عابر” ، بينما هي في حقيقتها إنذار لانفجار قادم .

لسنا أمام قصة أبٍ فقد صوابه فقط ، بل أمام سؤال أكبر: كم من الغضب غير المُدار يمكن أن يتحول في لحظة إلى مأساة لا تُحتمل ؟ قد لا نملك إجابة كاملة… لكننا نملك مسؤولية ألا نمرّ على مثل هذه الجرائم مرور الكرام . لأن أخطرها أنها تبدأ دائماً بشيء كان يمكن احتواؤه… قبل أن يصبح دماً لا يُمحى . ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات