فن الوقوف على الحافة (وتسميته استقرار)
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
هناك دول تبني الجسور، وأخرى تبني الجدران، ثم هناك من اختار طريقًا أكثر إثارة: المشي على حبل مشدود فوق هاوية… مع الإصرار على أنه مجرد رصيف عادي. على مدى ما يقارب نصف قرن، أتقن نمط سياسي معيّن فن حافة الهاوية، لا كتكتيك عابر، بل كفلسفة حكم كاملة. الفكرة بسيطة في ظاهرها: الاقتراب من الحافة قدر الإمكان، الانحناء قليلًا لإثارة القلق، ثم التراجع نصف خطوة وتقديم ذلك كإنجاز. إنها دبلوماسية، نعم، لكنها أقرب إلى عرض مسرحي متكرر بإتقان.
في قلب هذا النهج تكمن معادلة دقيقة للمخاطر؛ لا قدر كبير يؤدي إلى السقوط، ولا قدر ضئيل يمر دون أثر، بل جرعة محسوبة تُبقي الجميع في حالة ترقب دائم. الإيقاع لا يتغير: تصعيد دون نقطة اللاعودة، تهديد دون وضوح كامل، وتنازل شكلي لا يمس الجوهر. الهدف ليس الوصول إلى حل بقدر ما هو الاقتراب المستمر من الكارثة دون الوقوع فيها. في هذا السياق، لا تُعدّ عبارة “تقريبًا” فشلًا، بل جوهر الاستراتيجية.
وعلى عكس الدبلوماسية التقليدية التي تسعى إلى خفض التوتر، يتحول التوتر هنا إلى أداة تفاوض بحد ذاته. المواعيد النهائية تُمدّ باستمرار، والاتفاقيات تُقارب بحذر شديد. التقدم لا يُقاس بالنتائج، بل بمدى القدرة على إطالة العملية دون انهيار. الزمن، في هذا النموذج، ليس عائقًا، بل أداة ضغط تُعيد تشكيل مواقف الأطراف ببطء.
للمراقب من الخارج، يبدو المشهد مليئًا بالحركة: اجتماعات، تصريحات، إشارات مرونة. لكن عند التمعّن، يتضح أن هذه الحركة تدور في حلقة مغلقة؛ تتبدل التفاصيل، لكن الجوهر يبقى ثابتًا. خطوة للأمام، توقف، إشارات إيجابية، تشدد مفاجئ، ثم إعادة. ليست رحلة نحو اتفاق، بل دائرة متقنة توحي بوجودها.
المفارقة الأعمق أن هذا النهج لا يسعى إلى الاستقرار عبر تقليل المخاطر، بل عبر إدارتها. النظام يستمر لأنه يبقى قريبًا من حافة الانهيار دون أن يسقط. الأزمات لا تُتجنب، بل تُدار بعناية، كوقود يُبقي النظام في حالة توازن غير مستقر. ومع الوقت، تتغير الخطوط الحمراء، ويتحول ما كان مرفوضًا بالأمس إلى أمر واقع اليوم، بينما يصبح تصعيد اليوم أداة تفاوض في الغد.
لكن هذا الأسلوب ليس بلا كلفة. الاقتصاد يتعرض للضغط، المجتمع يتحمل أعباء مستمرة، والعلاقات الخارجية تصبح هشة ومشروطة. ومع ذلك، يستمر النظام في التكيّف، لأنه اعتاد على هذه البيئة. فحين تصبح الحافة جزءًا من الهوية، يبدو التراجع عنها أقرب إلى الهزيمة.
وربما تكمن المفارقة الأهم في كيفية إدراك هذا السلوك. من الخارج يبدو مخاطرة، ومن الداخل يُقدَّم كصمود. من بعيد يبدو مقامرة، ومن قريب يُفسَّر على أنه سيطرة. وهنا يكمن جوهر النجاح: الوقوف طويلًا على الحافة حتى ينسى الجميع أنها حافة. في النهاية، لم تكن الاستراتيجية تهدف إلى تجنب السقوط، بل إلى إقناع العالم أن السقوط لم يكن جزءًا من المعادلة أصلًا.