الحياد حين يكون قوة … سياسة المسافة الذكية
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في لحظات التوتر الكبرى في الشرق الأوسط، ترتفع الأصوات المطالبة بالاصطفاف السريع: من مع من؟ ومن ضد من؟ غير أن الدول التي تفكر بمنطق الدولة، لا بمنطق اللحظة، تدرك أن الاندفاع إلى المعسكرات في زمن الأزمات ليس دائمًا دليل قوة، بل قد يكون أقصر الطرق إلى الاستنزاف.
منذ تصاعد الأزمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اختارت المملكة العربية السعودية موقفًا واضحًا: خفض التصعيد، عدم الانخراط في الحرب، والدعوة إلى التهدئة. هذا الموقف جاء على الرغم من أن المملكة نفسها كانت في سنوات سابقة ومازالت هدفًا لصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة إيرانية أو مدعومة من إيران. ومع ذلك لم تتعامل الرياض مع الأزمة بمنطق الانتقام أو الانجرار إلى حرب مفتوحة، بل بمنطق حسابات الدولة طويلة المدى.
في علم العلاقات الدولية، هناك فرق كبير بين “الحياد الضعيف” الذي يولد من العجز، والحياد القوي الذي يولد من القدرة على الاختيار. السعودية اليوم تمارس النوع الثاني؛ فهي دولة تمتلك قدرات سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة، لكنها تدرك أن الدخول في حرب إقليمية واسعة لن يحقق لها مكاسب بقدر ما سيفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها.
الحرب في الشرق الأوسط، كما أثبت التاريخ، لا تبقى محصورة بين طرفين. فهي تتحول بسرعة إلى دوامة إقليمية تتداخل فيها الجبهات والميليشيات والممرات البحرية وأسواق الطاقة. وفي مثل هذا المشهد، يصبح أكثر القرارات حكمة هو عدم إشعال عود ثقاب إضافي. الدول التي تدخل الحروب بسهولة غالبًا ما تكتشف متأخرة أن تكلفة الخروج منها أعلى بكثير من تكلفة البقاء خارجها.
الحياد يمنح الدولة ثلاث مزايا استراتيجية أساسية. أولها خفض المخاطر الأمنية المباشرة. فكلما بقيت الدولة خارج دائرة القتال، قلّت احتمالات أن تتحول أراضيها أو منشآتها إلى أهداف في بنك عمليات الأطراف المتصارعة.
ثانيها الحفاظ على المرونة السياسية. الدولة التي لا تنخرط في الحرب تستطيع أن تتحدث مع الجميع، وأن تحافظ على مصالحها الاقتصادية، وأن تبقى لاعبًا قادرًا على التأثير بدل أن تتحول إلى مجرد طرف في الصراع.
أما الميزة الثالثة فهي حماية الاقتصاد والاستقرار الداخلي. الحروب الكبرى لا تدمر الجبهات فقط؛ بل تضرب الاستثمار والتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد. والدول التي تخوض مشاريع تحول اقتصادي ضخم، كما هو الحال في المملكة، لا يمكنها أن تسمح للحروب بأن تبتلع مستقبلها.
التاريخ يؤكد: الحياد ليس ضعفًا
التاريخ الحديث مليء بأمثلة لدول اختارت الحياد، ليس لأنها عاجزة عن القتال، بل لأنها أدركت أن المعركة الحقيقية هي حماية الدولة نفسها.
خلال الحرب العالمية الثانية، حافظت سويسرا على حيادها وسط قارة تحترق. لم تدخل الحرب، ولم تسمح بأن تتحول إلى ساحة صراع. وخرجت من الحرب دولة مستقرة بينما كانت معظم أوروبا ركامًا.
السويد فعلت الشيء نفسه تقريبًا. فقد اختارت الحياد خلال الحرب العالمية الثانية ثم طوال الحرب الباردة، واستثمرت هذا الاستقرار في بناء اقتصاد قوي ونظام رفاه اجتماعي أصبح نموذجًا عالميًا.
أما النمسا فقد أعلنت حيادها الدائم عام 1955 لتبقى خارج الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي. هذا القرار لم يكن هروبًا من السياسة، بل كان ضمانة لسيادتها واستقرارها في قلب أوروبا المتوترة.
فنلندا بدورها سارت على حافة دقيقة بين الاتحاد السوفيتي والغرب طوال الحرب الباردة. حافظت على استقلالها من خلال سياسة حياد محسوبة بدقة، سمحت لها بالبقاء دولة مستقلة رغم قربها الجغرافي من قوة عظمى.
حتى الهند تبنت خلال الحرب الباردة سياسة “عدم الانحياز”، لتحتفظ بحرية قرارها بعيدًا عن ضغوط المعسكرين. كل هذه الدول فهمت قاعدة بسيطة: ليس كل من يقف خارج الحرب خاسرًا، بل قد يكون الرابح الوحيد فيها.
الحياد السعودي… قراءة في حسابات الدولة
في الأزمة الحالية، تدرك الرياض أن أي حرب واسعة بين إسرائيل وإيران لن تكون حربًا تقليدية يمكن التحكم فيها. فهي حرب قد تمتد إلى الخليج والبحر الأحمر والعراق وسوريا ولبنان، وربما إلى ممرات الطاقة العالمية. وفي مثل هذا السيناريو، ستكون المنطقة كلها الخاسر الأكبر.
من هنا يأتي الموقف السعودي الذي يركز على الدبلوماسية وخفض التصعيد بدل الانخراط في صراع مفتوح. فالمملكة ليست بحاجة إلى إثبات قوتها بالدخول في حرب، بل بإثبات قدرتها على حماية استقرار المنطقة.
هناك أيضًا بعد آخر لا يقل أهمية. فالمملكة اليوم تقود واحدة من أكبر عمليات التحول الاقتصادي في تاريخها الحديث. ومثل هذه التحولات تحتاج بيئة إقليمية مستقرة، لا شرق أوسط يغرق في حروب لا نهاية لها. الدولة التي تبني المستقبل لا يمكن أن تسمح للحروب بأن تعيدها إلى دوائر الفوضى.
القوة الحقيقية ليست في الحرب
في الشرق الأوسط، اعتادت بعض القوى أن تقيس النفوذ بعدد الجبهات التي تفتحها. لكن التجربة أثبتت أن فتح الجبهات أسهل بكثير من إغلاقها. القوة الحقيقية للدولة ليست في قدرتها على الدخول في الحرب، بل في قدرتها على تجنب الحرب عندما لا تكون ضرورية. ولهذا فإن الحياد السعودي في الأزمة الحالية لا يجب أن يُقرأ كابتعاد عن الأحداث، بل قيادة هادئة تدرك أن المنطقة لم تعد تحتمل مغامرات جديدة.
في عالم يتسابق فيه البعض نحو التصعيد، قد يكون القرار الأكثر شجاعة هو الوقوف خارج العاصفة.
فالحروب قد تمنح بعض الدول لحظة انتصار عابر، لكن الاستقرار وحده هو الذي يصنع المستقبل.