البروباجندا في زمن الحروب: حين تتحول المعركة إلى صراع على العقول
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في الحروب الحديثة لم تعد المعركة تُحسم فقط في ميادين القتال، بل أصبحت تُدار أيضاً في فضاء الوعي العام. فالدول، منذ قرون، أدركت أن السيطرة على السردية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. ومن هنا ظهرت البروباجندا بوصفها أداة سياسية وإعلامية هدفها تشكيل الإدراك الجماعي وتوجيه الرأي العام لخدمة أهداف الحرب.
البروباجندا ليست مجرد دعاية عابرة، بل هي منظومة متكاملة من الرسائل والصور والخطابات تُصاغ بعناية لإقناع الشعوب بشرعية الحرب، أو لتشويه صورة الخصم، أو لتعبئة المجتمع خلف القيادة السياسية. وقد تطورت هذه الأداة عبر التاريخ حتى أصبحت اليوم أحد أهم أسلحة الجغرافيا السياسية في عصر الإعلام الرقمي.
من الدعاية الدينية إلى الدعاية السياسية
يعود أصل كلمة البروباجندا إلى القرن السابع عشر، عندما أنشأت الكنيسة الكاثوليكية عام 1622 هيئة باسم Congregatio de Propaganda Fide لنشر العقيدة الكاثوليكية. لكن استخدام المصطلح بمعناه السياسي والعسكري تبلور لاحقاً مع صعود الدولة الحديثة وتطور وسائل الإعلام الجماهيرية.
في العصور القديمة كانت الإمبراطوريات تستخدم النقوش والخطب والاحتفالات العامة لتمجيد انتصاراتها العسكرية وإضفاء الشرعية على حكمها. فالإمبراطورية الرومانية، على سبيل المثال، كانت تنشر أخبار انتصاراتها عبر العملات المعدنية والنصب التذكارية، في محاولة لترسيخ صورة القوة والانتصار في ذهن الشعوب.
غير أن البروباجندا بمعناها المنظم لم تظهر إلا مع الحروب الكبرى في القرن العشرين، حين أدركت الحكومات أن الرأي العام يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في الحرب.
الحرب العالمية الأولى: ولادة البروباجندا الحديثة
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى دخلت البروباجندا مرحلة جديدة. فقد أنشأت الدول المتحاربة أجهزة رسمية لإدارة الرسائل الإعلامية وتعبئة المجتمعات للحرب.
في الولايات المتحدة، أسس الرئيس Woodrow Wilson لجنة الإعلام العام المعروفة باسم لجنة كريل بهدف حشد التأييد الشعبي للحرب. استخدمت اللجنة الصحف والملصقات والخطب العامة لتصوير الحرب باعتبارها معركة للدفاع عن الديمقراطية.
أما في أوروبا، فقد انتشرت الملصقات الدعائية التي تصور العدو بملامح شيطانية، بينما تقدم الجنود الوطنيين بوصفهم حماة الحرية. وهكذا أصبحت الصورة والرمز أدوات نفسية تُستخدم لتعبئة الشعوب.
الحرب العالمية الثانية: الدعاية كسلاح استراتيجي
بلغت البروباجندا ذروتها خلال الحرب العالمية الثانية، حين تحولت إلى جزء من الاستراتيجية العسكرية للدول الكبرى.
في ألمانيا النازية، أسس وزير الدعاية Joseph Goebbels جهازاً إعلامياً ضخماً استخدم السينما والراديو والصحافة لتكريس الرواية النازية وتعزيز الولاء للنظام. كانت الرسالة الأساسية تقوم على تعظيم القوة الألمانية وتصوير العدو كتهديد وجودي.
في المقابل، استخدمت الولايات المتحدة وبريطانيا الدعاية لتعزيز الروح الوطنية. فقد ظهر ملصق “Rosie the Riveter” الذي يشجع النساء على العمل في المصانع لدعم الاقتصاد الحربي، بينما بثت الإذاعات برامج تهدف إلى رفع معنويات الجنود والمدنيين.
في تلك المرحلة أصبحت البروباجندا جزءاً من التخطيط العسكري، إذ تهدف إلى تعبئة الداخل، وكسب تعاطف الخارج، وإضعاف معنويات الخصم.
الحرب الباردة: صراع الروايات
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، دخل العالم مرحلة جديدة من الصراع الأيديولوجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي لم تكن المواجهة بينهما عسكرية مباشرة، بل كانت في جوهرها حرب سرديات وقيم.
أنشأت واشنطن منصات إعلامية موجهة مثل إذاعة Radio Free Europe لنشر الرواية الغربية في أوروبا الشرقية، بينما استخدم الاتحاد السوفيتي الإعلام الدولي والمنظمات الثقافية لنشر رؤيته للعالم الاشتراكي.
هكذا أصبحت البروباجندا جزءاً أساسياً من أدوات النفوذ الدولي، إذ تسعى الدول إلى بناء صورة ذهنية إيجابية لنفسها وتقويض صورة خصومها.
البروباجندا في التوتر الأميركي – الإيراني
في عصر الإنترنت، انتقلت البروباجندا من الملصقات والإذاعات إلى الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي. ويتجلى هذا التحول بوضوح في التوتر المستمر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. فالصراع بين البلدين لا يقتصر على العقوبات الاقتصادية أو التوازنات العسكرية في الشرق الأوسط، بل يمتد أيضاً إلى حرب إعلامية تسعى إلى تشكيل إدراك العالم لهذا الصراع.
الرواية الأميركية
تعتمد الرواية الأميركية على تصوير إيران باعتبارها قوة تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي عبر حلفاء محليين في الشرق الأوسط، إضافة إلى برنامجها النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية.
ولهذا تركز الرسائل الإعلامية الأميركية على إبراز أن سياسات طهران تمثل تهديداً للاستقرار الإقليمي. وتظهر هذه الرسائل في الخطابات السياسية والتقارير الإعلامية والتحليلات الأمنية التي تُبرز النشاط الإيراني في المنطقة.
الرواية الإيرانية
في المقابل، تقدم إيران نفسها في خطابها الإعلامي بوصفها قوة مقاومة للهيمنة الأميركية. ويستند هذا الخطاب إلى سردية تاريخية تعتبر أن واشنطن تسعى إلى فرض نفوذها على الشرق الأوسط والسيطرة على موارده الاستراتيجية.
في الإعلام الإيراني الرسمي تُصوَّر المواجهة مع الولايات المتحدة على أنها معركة استقلال وسيادة، بينما يتم تقديم السياسات الإيرانية بوصفها دفاعاً عن أمن المنطقة في مواجهة التدخلات الخارجية.
حرب المعلومات الرقمية
ما يميز البروباجندا في هذا الصراع هو انتقالها إلى حرب معلومات رقمية. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة رئيسية لتبادل الرسائل السياسية وتضخيم الأحداث أو إعادة تفسيرها.
تستخدم الأطراف المختلفة الفيديوهات القصيرة، والرسوم البيانية، والتسريبات الإعلامية للتأثير على الرأي العام الدولي. وفي كثير من الأحيان لا يكون الهدف إقناع الخصم، بل ترسيخ رواية محددة لدى الجمهور العالمي.
معركة الرواية
تُظهر تجربة التاريخ أن البروباجندا ليست مجرد أداة إعلامية، بل هي سلاح استراتيجي في الحروب الحديثة. فالقوة العسكرية قد تحسم المعارك، لكن السيطرة على الرواية يمكن أن تحسم نتائج الحرب على المدى الطويل.
وفي التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو البروباجندا جزءاً من حرب ظلّ تدور في العقول قبل أن تدور في الميدان. فكل طرف يسعى إلى بناء سردية تمنحه الشرعية الدولية وتضع خصمه في موقع الاتهام.
وهنا يكمن الدرس الجيوسياسي الأهم:
أن الدول التي تنجح في التحكم في إدراك العالم للصراع قد تحقق مكاسب استراتيجية حتى قبل أن تُطلق رصاصة واحدة.
الخلاصة
في عالم اليوم لم يعد الفرد مجرد متلقٍ للأخبار، بل أصبح مشاركاً في صناعة المجال المعلوماتي العالمي. ولهذا فإن المسؤولية لم تعد تقع فقط على الحكومات أو المؤسسات الإعلامية، بل أيضاً على كل مستخدم للمعلومة.
وفي ظل الحملات الإعلامية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، يبقى الدور الأهم للفرد هو الحفاظ على وعي مستقل قائم على التحقق والتحليل وفهم السياق.
ففي زمن البروباجندا الرقمية، قد لا يمتلك الفرد قوة التأثير في السياسات الدولية، لكنه يمتلك شيئاً لا يقل أهمية: القدرة على ألا يكون أداة في حرب الروايات.