عندما يجتمع نجاح رجل الأعمال في خدمة المجتمع ببعديه الاجتماعي والثقافي، فهو دليل على رضا المعبود. والواقع أن قليل من رجال الأعمال مَزَجَوا هذين البُعْدِين: العمل الخيري والثقافي، ومن هؤلاء رَجُل الأعمال (التاجر) ابن العَمْ “محمد بن أحمد الذييب”، الذي أصدر -قبل أيام- كتابًا جمع فيه حِكَم وأمْثال في التجارة والأعمال” صَدَره بإهداء إلى أغلى الناس عنده “والدته” فَأبَان دورها في غرس فضل الكلمة وأهميتها في وجدانه، واصفًا إياها بالنور. وشخصيًا لا استغرب هذا التأثير من والدته، فهي من النشميات، فجَمَعَتْ في حياتها بين الرحمة والعقل الراجح.

بدأ “الذييب” عمله هذا بمدخل أوضح فيه عشقه للأَمْثَال منذ سنوات، فقد دَرَجَ في اجتماعاته على البدء بَعَدَ البسملة وحمد الله بِمَثَلٍ له علاقة بالأعمال الحُرَّة، وهي كما قال نبينا: “أطيب الكسب عمل الرجل بيده”. وقَدَمَ للكتاب الأخ الأستاذ الدكتور “سعد أبودية”.

قسم المؤلف عمله هذا في سبعة وعشرون عنوانًا جانبيًا، هي: الآيات القرآنية “51” آية من “30” سُورَة، أكثرها سُورَة البقرة “7” آيات، تلاها سَورَتِي النِسَاء والإسراء بأربع آيات من كل واحدة منهما، وسُورَة النَحْل منها “3” آيات. في حين تََضَمَنّت بعض السُور آيتين فقط، وهي: القَصَص، والأَنْعَام، والمَائدة. أما البقية فلم يرد فيها إلا آية واحدة. وأتبعه بأحاديث مؤكدة عن حبيبنا صلى الله عليه وسلم بلغت “37” حديثًا كلها تُبرِز أهمية العمل الحُرّ وضوابطه وآدابه، وقد بلغت “786” مَثَلًا، موزعة على النحو الآتي: السعودية (137)، الكويتية (54)، العُمانية (54)، الإماراتية (45)، البحرينية (12)، القطرية (16)، اليمنية (142)، العراقية (69)، الفلسطينية والأردنية (82)، المصرية (75)، السودانية (20)، اللبنانية والسورية (34)، التونسية (30)، الجزائرية (7)، المغربية (82)، الموريتانية (7)، الليبية (12). وإضافة إلى هذه العناوين، جَمَعَ أَمْثَال أخرى من دول غير عربية، أو صَنَفَها تصنيف مختلف، مثل: الأَمْثَلة: الدارجة في الخليج (36)، والعربية والعامية (181)، والأَمْثَلة من تشاد، وأوغندا وغانا والصومال (19)، وغير العربية (76)، ومن الحضارات القديمة (21)، وأَمْثَلة أجنبية مع ترجمتها (71)، إضافة إلى أبيات شعري (59)، وأقوال شخصية (283).

وتؤدي الأَمْثَال دورًا مهمًا في فهم طبيعة المجتمع وسلوكياته، فالمَثَل لا يأتي إلا بالتجربة الحَيِة والمباشرة، فدراسة هذه الأَمْثَال لا شك- مهم ومطلب حيوي، على سبيل المِثَال، المَثَل الكويتي: “من الزلفي إلى الألفي” (ص46)، فالأولى مدينة تقع في شمال عاصمة المملكة بـ 300كم، والثانية لعلها مدينة “دلهي” فتقع في الهند. ومن هذا المَثَل يمكننا القول إن العلاقة بين أهل الزلفي والكويت ليست فقط تجارية، بل ارتباط اجتماعي قوي، يعكس معرفة الكويتي بحال أهل الزلفي وإمكانياتهم -آنذاك- الضعيفة.

والمَثَل هو جملة (عبارة) قصيرة تعكس حِكْمَة أو نصيحة، تأتي عن تراكم معرفي وسلوكي، يخرج من رَحِم التجربة الإنسانية والمعاناة الفردية أو المجتمعية. وهذا ما يميز المَثَل فهو ليس فكرة أو إضاءة أو اقتراح، بل رد فعل عملي وسلوكي. والملفت ليس فقط البُْعد الاجتماعي (حِكْمَة، نصيحة … إلخ)، فهو يعكس ثقافة المجتمع وفهمه للحياة وتفاعله مع كل صغيرة وكبيرة: بيئته الحيوانية، والنباتية، والبيئية. فعلاقاته السلبية أو الإيجابية مع الحيوان، أو النبات، أو الإنسان، أو البيئية (الجَماد) جعلته يَعِرفُ سلبيات البيئة وإيجابياتها. مما يعني أن الأَمْثَال تعكس تجارب البشر وحِكَمِهم عبر الزمن، وهي وسيلة تعليمية وثقافية وتربوية يستفيد منها المتلقي لأنها تذكره وتوعظه، وتحثه وتزجره ليتلافى ويحذر من الوقوع، عكس تجربة من سبقه من خلال هذه الأَمْثَال.

وقد نجح “الذييب” في إبراز هذا التنوع في الأَمْثَال من بينها ما له علاقة بالاقتصاد، مِثْل: “ريال يدور ولا ألف مصرور” (ص74) والذي يحث على التجارة والتربح لا كنز المال، فهو يتآكل من الزكاة أو الصرف البطيء.

وما له لعلاقة بعدو التاجر الشرف والنجاح الحقيقي الفاسد والمرتشي ووجوب توخي الحذر منه، المَثَل الخليجي: “لين (إذا) صدت الفار قص عجوته (ذيله)” (ص77)؛ فمن التجربة عرفوا أن المرتشي والفاسد لا يمكن القضاء عليه دون معاقبته بأشد العقوبات، فالفار لا يُقضَى عليه إلا بعد قص ذيله وإلا سيبقى مهددًا لك بقوة. وجاء في مَثَل سعودي “بطن المريب يتربرب” (ص24)، وبعد اطلاعي على الكتاب أنقل لكم هذه الخواطر، راجيًا أن تدفعكم إلى قراءته، وهي:

1- أَمْثَال تحث على العمل والاجتهاد فيه وأن مُنفذها سيجني الرزق الوفير، مِثْل: “إذا نصح الذواد (رَّاعِي الإبل) حلبت الإبل (كَثُرَ حَلِيبَها)”، والمَثَل المُشجع على عدم الاستهانة بأي عمل تجاري، إذ لا تعلم رزقك من أين يأتيك: “الدواء بعفن الشجر” (ص28)، وهذا يعكس لا شك- معرفة المجتمع بحال الأشجار وما تقدمه من منافع للبشر، فمع أنها عفنه إلا أنك أيها الإنسان تجد فيها دواء لكل داء. والمثل المغربي: “إذا كان فلوسك في جيبك كل شيء يكون حبيبك” (ص157)، في إشارة واضحة إلى أن امتلاك المال لا يحدك على الخضوع للغير، أو “إذا كان قوتنا في فاسنا فكلامنا في راسنا” (ص133)، كما في المَثَل المصري، الذي يشير إلى تمتعك بحريتك التي لا تقدر بثمن.

2- أَمْثَال ترشدك إلى الأوقات الأنسب للبحث عن الرزق، مِثل قول اليمني: “البكرنة النصر”، والباكر، الباكر، سليطان النهار” (ص80). في حين رأى الأفريقي في مَثَله هذا: “النهوض مبكرًا يختصر الطريق” (ص198) أن العمل منذ الصباح هو السبيل إلى الرزق، ووافقه الإنجليزي بقوله: “الطائر المبكر يفوز بالدودة” (ص203).

3- أَمْثَال تعطيك فكرة عن الحال مع الاستدانة، آفة العصر، فاليمني يرى أن “القضا يمغص البطن” (ص82)؛ وكذلك قولهم في الكويت: “الدين قطاع الرزق المقبل”، أو “الدين قلايد للرجال” (ص43). أما الموريتاني والإماراتي، فيقول الأول: “الدين رق فاختر من يرقَّك” (ص170)؛ والثاني: “الدين عمى العين” (ص58). ويتفق البوسنى مع الموريتاني أن السلف يقود إلى العبودية: “من يقترض كثيرًا يقود نفسه إلى العبودية” (ص208). أما المصري القديم فاعتبر السلف يجلب العداوة “السلف يقرب العداوة” (ص212)، واتفق معه في هذا التصور البلغاري: “باقتراضنا المال نكسب الأعداء” (ص203)، وعَدَّهُ السومري سببًا في الهموم وضيق النفس: “يقترض الفقير فتركبه الهموم” (ص213). أما العمل والاجتهاد لتسديد الدين، فهو خير، ويريح البال والحال، فقال: “بعت ناقتي، جيت وأنا رابح” (ص96)، فبيع أعز ما يملك الإنسان في سبيل التخلص من الدين يُبقِي الكرامة، ويجعل حياة المُسدد دون ذل ومهانة.

4- هناك أَمْثَال تدفع كي لا يقع الشخص في شر أحلامه وآماله، فمن التجربة وجد اليمني أن النظر لشيء لا تستطيع اقتنائه سلوك غير محمود، بل مهلك، “إيش لك في المديني (تمر فخار) يا مشنق (يطيل النظر) عيونك” (ص84). ومن المعلوم أن المال يجلب المال، لذلك قالوا أهلنا في اليمن: “تمطر فوق بحر” والمقصود أن الغني يزداد مالًا وثراءً مثل البحر الذي تهطل الأمطار عليه لن يزيده شيء فهو ماء في الأصل. وأن الخسارة لا تؤثر كثيرًا التاجر، فقالوا: “قبصة في قرن ثور” (ص90). أما التَاجِر الذي يتوقف عند توافه الأمور فإن مآل “تجارته” غير محمود، فقالوا: “من حسب للعصافير ما زرع” (ص38)، أو المثل العماني “إذا ماتت ياعدة (النعجة) في مكران (بلد في إيران) ما يغلى السمن في عُمان” (ص49) وهذه الأَمْثَال تعكس معرفة المجتمع في تعدد النفسيات وأحوالها.

5- أظهرت الأَمْثَال فهمًا لطباع الناس فهناك الطماع: “إذا الطماع موجُود العيّار عايش” (42)، أو “الطمع فساد الدَّيْن” (ص43)، والمَثَل الإماراتي “عطوه من مال الله قال أبغي زيادة” (ص59)، والمصري: “الطماع رزق النصاب” (ص134) والعَجُول: “من استعجل كثرت عثرات” (ص46)، أو المَثَل القطري: “مظيّع صيدته في عجاجته” (ص70)، والمُتَرَدِدُ: “راع المهاهاه (التردد) ما يجيب ناقة” (ص45). والكَسُول ليس عالة على نفسه، بل على المجتمع، فقالوا: “يَجُوع والتمَّر في خُرْجِه” (ص40)، و”شبعان راحة وميت جوع” (ص52)، و”كم فات رقاد الضحى من غنيمة” (ص46). وذلك الذي يعمل بجد واجتهاد ويحرص بشدة على عمله دون مكافأة مجزية مآل “عمله” إلى التاجر، أو ذلك الباذل جهده في غير موضعه، فوصفه العراقي: “الثور يكرب (يعمل) والزمال (الحمار) يأكل” (ص103)، وابن الشام يصفه: “يبيع الجوهر في سوق الفحم” (ص132)، والمَثَل المصري: “زيّ الفراخ تبيض وتحزق للتّاجر” (ص139)، والمَثَل السوداني: “فانوس يضوّي لغيره” (ص145). كما بينت هذه الأَمْثَال أهمية الحرص على المال وعدم التبذير، مِثْل: “احفظ الحتات لين الزمان يقول لك هات” (ص49)، والمَثَل البحريني “بيزه على بيزه توديك عنيزة” (ص67).

5- كما أبانت أن من مميزات الناجح في عمله كتمان أسراره على غرار: “اقضوا حوائجكم بالكتمان”، فرأى الإفريقي أن العمل بصمت يؤدي إلى النجاح، فقال: “الفم المطبق لا يدخله الذباب” (ص198)، كما أكد أيضًا أن الناجح عليه إلا يتأثر سلبًا بما يحاك ضده قولًا أو فعلًا: “نقيق الضفادع لا يمنع الفيل من الشرب” (ص199).

6- لفت انتباهي عدد من الأَمْثَال أقف عند بعضها، مِثْل: المَثَل العماني: “ذبحوا البقرة في عزا الشاة” (ص56)، الذي يشير إلى عدم الحكمة في بذل الكثير للحصول على القليل، أو المَثَل السعودي: “يسد السيل بعباته” (ص31)، وهو ذلك الشخص الذي لا يعرف قدراته وحجمها فيكافح أو يعاند من هو أعظم منه، فلن يحقق مبتغاه، بل يخسر.

والمَثَل الجزائري: “قلل ناسك يرتاح رأسك” (ص155)، فكثرة المعارف وتعددهم ليس أمرًا محمودًا، فبعضهم يؤثرون سلبًا على حياتك. والمَثَل المغربي: “تعطب أنت أولادك خير ما تأخذ منهم “تصرف على نفسك ولا تنتظر اولادك يصرفون عليك”، فيحذر عن تجربة أن توفر مالًا لنفسك في كبرك كي لا تحتاج إلى أولادك، فبعضهم ديدنه العقوق.

وعلى كل حال الغِنَى والثراء ليس كله محمود، فالبعض كما يقول المَثَل الاسكوتلندي: “الثروة لا تغير البشر لكن ترفع عنهم القناع” (ص202)، تظهر شخصيته الأنانية والقبيحة بسبب هذا المال، وأن المال إذا لم يربط بأعمال خير فهو مضرة، فالمَثَل الألماني: “الصدقة كالمظلة تظلك متى ساء الجو” (ص203)، يشير إلى أهمية مشاركة الأثرياء في خدمة المجتمع.

وأخيرًا بقدر ما شدني هذا الكتاب، فإني اقترح على الوجيه ابن العَمْ “محمد الذييب”، الذي طبق في حياته -طوال معرفتي به- كثير من هذه الأَمْثَال؛ لذلك وفق في حياته بدوره في خدمة مجتمعه وعائلته، بعد نجاحه برفقه رفيق دربه وشريكه “حمود بن عبدالله الذييب” في أعمالهما التجارية، أقول لعل اقتراحي يأخذ مساحة من تفكير “أبو نايف”، وهو: إنشاء موقع إلكتروني مخصص للأَمْثَال بالتعاون بين شركة “ذيب”، ومجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، برئاسة المتميز الدكتور: “عبدالله صالح الوشمي” يتضمن الموقع الأَمْثَال العربية، وغير العربية (العالم كله)، مع ترجمة لها إلى العربية، ففيها إضافة معرفية وسلوكية لا يستهان بها.

شكرًا للأخ “محمد الذييب، أبو نايف”، فقد أتاح ليّ بكتابه هذا معرفة وعلم في سلوكيات المجتمعات العربية وغيرها من خلال أَمْثَالهم.