الرأي

آمال الروبي… المرأة المصرية الباشوية

د. سليمان الذييب

كاتب ومؤرخ وأستاذ الكتابات العربية القديمة

انتَقَلَتْ يوم الاثنين الماضي المرحومة بإذن الله “آمال محمد الروبي” أستاذة التاريخ اليوناني والروماني القديم في عدد من الجامعات العربية، آخرها كلية الآثار والإرشاد السياحي بجامعة مِصر للعلوم والتكنولوجيا، وقد بَذَلَتْ -رحمها الله- في أثناء عملها جهدًا طيبًا في النهوض بالكلية، وكان لها -بعد الله- الفضلُ في إنشاءِ أولَ قسمٍ أكاديميٍ في الجامعات المصرية للدراسات الجامعية (الدنيا)، وهو قسم: “آثار شبه الجزيرة العربية”. كما تَقَلَدَتْ منصبين هامين، أولهما وكيلة للدراساتِ العُليا؛ وثانيهما رئاستُها المتميزةِ للقسم، فدورها وخلقها وعلمها مشهود له -ولله الحمد- داخل الجامعة وخارجها.

والمرحومة -بإذن الله- غنية عن التعريف، فهي أشْهر من نار على علم، فإنجازاتِها في تنمية المعرفة من خلال “تاريخ اليونان وحضارته” واضحةٌ وجليةٌ، اثبتته ترجماتِها المتميّزةِ لعدّةَ أعمالٍ أجنبيةٍ إلى اللغةِ العربيةِ، فَحَازتْ عَلَى جائزة “رفاعة الطهطاوي للترجمة” في العامِ (2021م)، ونَالتْ تقديرَ الجميع وعرفانهم.

“الروبي” مثال للمرأة المصرية الطيبة الراقية عاشت مرحلتين سياسيتين مختلفتين كانت فيهما ذات مكانة طيبة، تمتعت بأخلاق راقية -كما يقول أخوتنا في مصر- “باشوية”، لا ترفع صوتها ولا تقاطع عند الكلام، لديها قدرة عجيبة على الانصات والاستماع ومن ثم التعليق بجملتين أو أكثر، نيتها طيبة، فتأخذ الأمور بحسن نية، لكنها صارمة عند التأديب قوية في القول والفعل. وهي مصرية أصلية عربية في فكرها عشقت وطنها وأحبته، تمنت أن تُدفَن في ترابه بجانب أحبتها وأهلها، لكن القَدَر كان له قول آخر فدعاها الله إليه وهي على بُعد الآلاف من الأميال في مدينة “سدني” الأسترالية.

المَوْت أيها الأخوة- هو: “زوال الحياة عن كل كائن حي”، ويعرفه البعض أنه: “انسحاب الرُوح من البدن”، والروح أساس بقاء الحياة واستمرارها في جسد الإنسان؛ لذلك فالمَوْت -عندي- بكلمة واحدة، هو: “النهاية”. فهل يعني المَوْت النهاية الأبدية للإنسان؟ في ظني أن المَوْت نوعان، أولهما: جسدي (مادي)، وثانيهما “معنوي/ روحاني”. الجسدي نهاية أبدية مادية، أي أننا لن نتعامل ولن نتفاعل معه جسديًا. وهي في الوقت ذاته -أي الجسدية- بداية حياة جديدة رسمها المتوفى (في حياته الدنيوية) وخطها بسلوكياته، فالجسد في اللحد ليس أمامه إلا طريقين لا ثالث لهما، هما: “العذاب” أو “روضة من رياض الجنة”. وثانيهما: المعنوي (الروحي)، فالمتوفى يبقى حيًا في وجدان معارفه ومحبيه، وأولئك المستفيدون من أعماله، وانجازاته، وعلاقاته، وسلوكياته.

والمَوْت حق يسير عليه البشر كلهم دون استثناء، كما قال جل وعلا في كتابه المبين: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ”، فهو ليس مِثل الثراء، أو الزواج، أو الجاه، أو الفقر، فالبعض منا يُنعِم الله عليه بالثراء والبعض بالخلفة وهناك من يُرزَق بالزوجة الصالحة أو يتمتع بالجاه وآخرون يقتلهم الفقر… إلخ.

لذلك على أبن آدم العمل على هذين الأمرين: ما سيلقاه في قبره “عذاب أو روضة”، وما سيبقيه معنويًا في ذاكرة المجتمع. وكلهما يعتمدان على سلوكيات الإنسان وأعماله في حياته الدنيوية، فإن تجنب المحرمات وأخذ بالمباحات فقد فاز برضى المعبود، وإن ترك سيرة حسنة عطرة، فقد فاز بالبقاء في الذاكرة. فأعماله وسلوكياته وانجازاته كفيلة بأن تبقيه حيًا في الذاكرة الإنسانية إما سلبًا أو إيجابًا، فإن انطبقت عليه الأولى فقد خاب وخسِرَ، وأن كان من أهل الثانية، فقد أَفْلَحَ وَنجَحَ؛ وهكذا: ترتفع مكانته جسديًا ومعنويًا.

فالسيرة العطرة كفيلة بحياة سعيدة وطيبة للإنسان بعد الممات، فعَمَل الخير، مِثل الجبال لا تزول إلا بزوالها، والأعمال لا تزول ما دام يستفاد منها عبر السنين. وشخصيًا بعد تجربة لأكثر من عقدين مع والدة الجميع “آمال بنت محمد الروبي” أقول إنها قد تركت إرثًا طيبا من سلوكياتها وأخلاقها وتعاملها الراقي إضافة إلى العلم الذي ينتفع منه عبر الأجيال، هذا الإرث كفيل في إبقاء ذكراها لأجيال وأجيال. فقد كانت الشمعة المضيئة ورأس الحِكمَة والتعامل الحق لكل إشكال، تأخذ الجميع في حضن حِكمتها وتعاملها الراقي، تدعم بقوة من تظن أنه ظُلِم أو أُجحف بحقه، وتضرب بيد من حديد على من ترى أنه ظالم لنفسه قبل أن يظلم غيره. عندما تكون في مكتبها ترى الضوء الهادئ المريح للقلب، يدخل عليها البعض غاضبًا متألمًا حزينًا فيخرج مبتسمًا وسعيدًا بسبب كلماتها وأسلوبها البديع في امتصاص غضبه أو حزنه، أو ألمه. ينطبق عليها بيت من قصيدة لشنودة الثالث:

يَا قَوِيًّا لَيْسَ فِي ذَاتِهِ عُنْفٌ -ووَدِيعًا لَيْسَ فِي طَبْعِهِ ضَعْفُ

لَكَ أُسْلُوبٌ نَزِيهٌ طَاهِرٌ​​ – وَلِسَانٌ أَبْيَضُ الأَلْفَاظِ عَفُّ

رحمكِ الله أيتها الأم الحنونة، نعم فقدناكِ جسدًا لكننا حتمًا لم نفقدكِ روحًا فأنتِ بيننا بما قدمتيه لنا من حب وود وخلق رفيع وعلم غزير، لم نشهد منكِ إلا كل خير داعمة للضعيف زاجرة للمتعدي مشجعة للطموح، فقد علمتي أجيال في مصر والسعودية والكويت وغيرها، وليس لنا إلا كما قال أحمد شوقي:

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا ​​​​- كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي -​​​ يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا

ومن باب الوفاء لدورها وما أدته من أعمال في خدمة جامعتنا فإني أتمنى من رُبَان هذه الجامعة ورئيس مجلس أمنائها معالي: “خالد الطوخي”، تسمية قاعةً أو مركزًا أو شارعًا في الجامعة باسمها، والمناشدة ذاتها لقائدة الكلية الكبيرة بقدرها “أميمة الشال”، السعي لتسمية إحدى قاعات الكلية باسم “آمال الروبي”، لتبقى ذكرها الطيبة في ذاكرة الأجيال القادمة.

ما أسعدكِ يا “آمال” فقد اختاركِ ربي إلى جواره بعد أن رسمتي -أن شاءالله- طريقًا مضيًا، أضئتِ به -بحول الله- منزلكِ الأبدي “لَحدكِ”.

والدتنا المرحومة بإذن الله لا نقول إلا “إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقكِ يا آمال الروبي لمحزونون”، يا رب وأنت في علاك نسألك وأنتَ المجيب:

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُا وَارْحَمْهُا، وَعَافِهِا، وَاعْفُ عَنْهُا، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُا، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُا، وَاغْسِلْهُا بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِا مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُا دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِا، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِا، وَزَوْجًَا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِا، وَأَدْخِلْهُا الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ وعذاب النَّارِ.

اللهم إن آمال الروبي في ذمتك، وحبل جوارك، فقها من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، فاغفر لها وارحمها إنك أنت الغفور الرحيم.

اللَّهُمَّ إنك أنت القوي العزيز الغفور فاغفر لها كلَّ ذنبٍ وأنتَ القادر واعفُ عنها وأنتَ الكريم فأكرمها بالمكانة الحسنة وثقِّل ميزان حسناتها إنك على كل شيء قدير. اللَّهُمَّ أجعلها وأجعلنا من الخالدين في جنات النعيم يا أرحم الراحمين. اللهم أنزلها وأنزلنا منازل الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، اللهم آنسها في وحدتها، وآنس وحشتها، وآنس غربتها، اللهم عاملها بما أنتَ أهله، ولا تعاملها بما هي أهله، وأجزها عن الإحسان إحسانًا وعن الإساءة عفوًا وغفرانًا.

والتعازي الحارة لآل الروبي وأخص ابنها البار المهندس شادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات