حين يصبح النجاح سببًا للفشل: الثمن الخفي للغرور المؤسسي

عبدالعزيز المطلق

في عالم الأعمال، يُنظر إلى النجاح باعتباره الدليل الأبرز على جودة الاستراتيجية وكفاءة القيادة. إلا أن التاريخ الاقتصادي يثبت مرارًا مفارقة لافتة؛ فالشركات التي تصل إلى قمة النجاح قد تجد أن هذا النجاح نفسه هو الشرارة التي تقود إلى تراجعها. والمشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في المنافسة أو التطورات التقنية أو التقلبات الاقتصادية، بل في ما يُعرف بـ الغرور المؤسسي.

الغرور المؤسسي هو حالة تنظيمية تتسم بالثقة المفرطة، والشعور بالاستحقاق، والاعتقاد بأن النجاحات السابقة تضمن استمرار التفوق في المستقبل. وينشأ عندما يقتنع قادة الشركة بأنها أصبحت أكبر من أن تفشل، أو أقوى من أن تتأثر بالمنافسة، أو أكثر خبرة من أن تستمع إلى عملائها أو موظفيها أو حتى إلى إشارات السوق. وعندما تترسخ هذه الثقافة، تتوقف المؤسسة تدريجيًا عن التعلم، وتفقد قدرتها على التكيف مع المتغيرات، وتبدأ رحلة الانحدار.

وتتشابه مظاهر الغرور المؤسسي في معظم الشركات التي سقطت ضحية له. فالإدارة تتجاهل شكاوى العملاء، وتستخف بتحذيرات الموظفين، وتتعامل مع المنافسين بازدراء، وتعتقد أن مكانتها في السوق أصبحت دائمة. وعندما تتراجع النتائج، لا تعترف بالأخطاء، بل تلقي اللوم على الظروف الاقتصادية أو الجهات التنظيمية أو حتى على العملاء أنفسهم. ومع مرور الوقت، تتراجع وتيرة الابتكار، لأن القيادة ترى أن نماذج الأعمال الحالية كافية للحفاظ على الهيمنة.

ولعل شركة كوداك (Kodak) تمثل أشهر مثال على ذلك. فقد كانت لعقود طويلة الاسم الأكثر ارتباطًا بعالم التصوير الفوتوغرافي، بل إنها كانت أول من ابتكر نموذجًا أوليًا للكاميرا الرقمية في سبعينيات القرن الماضي. لكن بدلاً من الاستثمار في هذه التقنية، خشيت الإدارة أن تؤثر الكاميرات الرقمية على أرباحها الضخمة من أفلام التصوير التقليدية. وثقت الشركة بأن العملاء سيواصلون الاعتماد على الأفلام، بينما كانت الأسواق تتحول بسرعة نحو التصوير الرقمي. وعندما حاولت كوداك اللحاق بالركب، كانت المنافسة قد سبقتها بمراحل، لتنتهي الشركة إلى إعلان إفلاسها عام 2012. ولم يكن سبب سقوطها نقص الابتكار، بل رفضها الاعتراف بأن نموذج أعمالها التقليدي أصبح مهددًا.

قصة مشابهة عاشتها نوكيا (Nokia) ، التي كانت في مطلع الألفية الجديدة تهيمن على ما يقرب من نصف سوق الهواتف المحمولة عالميًا. فقد اعتقدت الإدارة أن خبرتها الصناعية وحصتها السوقية ستكفلان لها الاستمرار في الصدارة. إلا أنها قللت من أهمية هاتف “آيفون” الذي أطلقته شركة آبل، كما لم تدرك أن المنافسة انتقلت من صناعة الأجهزة إلى بناء أنظمة تشغيل وتطبيقات متكاملة. وبينما كانت آبل وجوجل تعيدان تعريف مفهوم الهاتف الذكي، استمرت نوكيا في تحسين الهواتف التقليدية، حتى فقدت مكانتها خلال سنوات قليلة.

أما بلوك بستر (Blockbuster)، التي كانت تمتلك آلاف متاجر تأجير الأفلام حول العالم، فقد ارتكبت أحد أشهر الأخطاء الاستراتيجية في التاريخ عندما رفضت عام 2000 شراء شركة ناشئة تدعى “نتفليكس” مقابل نحو 50 مليون دولار فقط. اعتبرت إدارة بلوك بستر أن نموذج تأجير الأفلام عبر الإنترنت لا يمثل تهديدًا حقيقيًا، واستمرت في الاعتماد على متاجرها ورسوم التأخير التي كانت تحقق أرباحًا كبيرة. لكن تغير سلوك المستهلكين وتطور خدمات البث الرقمي جعلا نتفليكس تتحول إلى عملاق عالمي، بينما اختفت بلوكباستر تقريبًا من السوق.

ولم تكن بلاك بيري (BlackBerry) استثناءً من هذه القاعدة. فقد كانت لفترة طويلة الهاتف المفضل لدى الحكومات وكبرى الشركات بفضل مستوى الأمان العالي ولوحة المفاتيح الفعلية. غير أن إدارتها اعتقدت أن هذه المزايا كافية للحفاظ على ريادتها، واستخفت بالإقبال المتزايد على الهواتف التي تعتمد على الشاشات اللمسية ومتاجر التطبيقات. ومع تغير توقعات المستخدمين، فقدت بلاك بيري قدرتها على المنافسة، بعدما تمسكت بما نجح في الماضي بدلاً من الاستجابة لما يريده السوق.

وحتى الشركات الصناعية العملاقة لم تكن بمنأى عن هذا الخطر. فقد واجهت جنرال إلكتريك (General Electric) سنوات من التراجع بعد أن توسعت في أعمال واستثمارات معقدة، اعتمادًا على قناعة بأن خبرتها الإدارية وحدها قادرة على إنجاح أي نشاط. لكن الثقة المفرطة، والتوسع غير المدروس، والإفراط في الهندسة المالية، أدت إلى إضعاف الشركة وإجبارها على إعادة هيكلة واسعة وبيع عدد من أهم أصولها.

القاسم المشترك بين هذه الشركات أنها لم تكن تفتقر إلى الكفاءات أو الموارد. بل كانت تضم نخبة من أفضل المديرين والمهندسين في العالم. إلا أن نجاحها الطويل خلق لديها شعورًا بالتفوق جعلها تعتقد أنها استثناء من قواعد السوق، وأن الماضي كفيل بحماية المستقبل.

ولا يقتصر تأثير الغرور المؤسسي على العلاقة مع السوق فحسب، بل يمتد إلى داخل المؤسسة نفسها. فالموظفون يترددون في معارضة الإدارة العليا، خوفًا من تجاهل آرائهم أو معاقبتهم. ومع مرور الوقت، تصبح القرارات محصورة في دائرة ضيقة من التنفيذيين الذين يسمعون فقط الآراء التي تؤكد قناعاتهم، بينما تُستبعد الأصوات الناقدة. وهكذا تفقد المؤسسة أهم آلية تضمن تصحيح مسارها قبل وقوع الأخطاء.

ولتجنب الوقوع في هذا الفخ، تحتاج الشركات إلى ترسيخ ثقافة التواضع المؤسسي. فالقادة الناجحون هم الذين يشجعون على النقاش المفتوح، ويصغون إلى العملاء، ويحترمون المنافسين، ويعيدون باستمرار اختبار افتراضاتهم حول السوق. كما يدركون أن النجاح لا يمنح حصانة دائمة، وأن الميزة التنافسية يجب تجديدها باستمرار من خلال الابتكار والتكيف.

وتقدم شركات مثل أمازون ومايكروسوفت وآبل نماذج مختلفة لهذا النهج. فعلى الرغم من نجاحها الكبير، فإنها لا تتعامل مع إنجازاتها باعتبارها ضمانًا للمستقبل، بل تستثمر باستمرار في إعادة ابتكار منتجاتها ونماذج أعمالها، وتحرص على تحدي نفسها قبل أن يفعل المنافسون ذلك.

في النهاية، لا يمثل الغرور المؤسسي مجرد صفة سلبية في القيادة، بل هو خطر استراتيجي قد يقود حتى أعظم الشركات إلى الانهيار. فالسوق لا يكافئ التاريخ، بل يكافئ القدرة على الابتكار والاستجابة للتغيير. والنجاح الحقيقي ليس في الوصول إلى القمة، بل في امتلاك التواضع الكافي للبقاء عليها. فالشركات التي تواصل التعلم والإصغاء والتكيف هي التي تضمن استدامة نجاحها، أما تلك التي تعتقد أنها أصبحت أكبر من أن تفشل، فغالبًا ما تكتشف، بعد فوات الأوان، أن السوق قد تجاوزها بالفعل

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات