خادم الحرمين .. لقب من نور
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في الحج لا ترى أرقاماً فقط ، ولا حشوداً تتحرك من مشعر إلى آخر، بل ترى وجوهاً أنهكها الشوق ، وعيوناً اغرورقت بالدمع ، وأقداماً قطعت آلاف الأميال لتقف في أطهر البقاع، تردد: لبيك اللهم لبيك .
هنا ، وسط هذا المشهد الإيماني العظيم ، تتجلى المملكة لا كدولة تنظّم حدثاً كبيراً ، بل كأمّ حانية تحتضن ضيوف الرحمن . ملايين الحجاج يأتون من أصقاع الأرض ، يختلفون في اللغات والألوان والأعمار، لكنهم يجدون من يستقبلهم ، ويرشدهم ، ويحرس أمنهم ، ويسهّل خطوتهم ، ويمد لهم يد العون في كل طريق .
أي جهد أعظم من أن يتحرك هذا البحر البشري بين المشاعر، في زمن واحد ، ومكان واحد ، ثم يعود الحاج إلى نسكه وهو يشعر أن هناك من يفكر عنه ، ويسهر لأجله ، ويزيل من طريقه ما يعكر صفو عبادته !! .
لعل أجمل ما يمس القلب في هذه المنظومة أن خدمة الحاج لم تعد تبدأ عند بوابة المطار، بل من بلده عبر طريق مكة ، حيث تُنهى إجراءاته قبل سفره ، ثم يصل وقد سُبقت حقائبه إلى مقر سكنه . فيا لها من رسالة رقيقة تقول للحاج : لا تحمل همّ التعب ، فقد جئت ضيفاً على أرض تعرف قدر الضيف .
الخدمات الصحية ، فصل آخر من فصول الإنسانية . حاجٌ يشتد عليه المرض ، أو يحتاج إلى عملية كبرى ، فيجد المستشفى مفتوحاً ، والطبيب حاضراً ، والعلاج مجاناً ، بلا سؤال عن جنسيتة أو لغتة أو قدرته المالية . في تلك اللحظة لا يشعر الحاج أنه غريب ، بل يشعر أن له أهلاً في هذه البلاد .
المليك حين يختار أن يكون ” خادماً ” للحرمين الشريفين ، إنما يعلن أن العظمة الحقيقية ليست في مظاهر الحكم ، بل في خدمة بيت الله ، ومسجد رسوله ، وضيوف الرحمن . ذلك هو شرف المملكة الأعظم … أن تجعل من الخدمة عبادة ، ومن التنظيم رحمة ، ومن رعاية الحاج رسالةً لا تنتهي .