السعودية تجاه العرب ..بطولات قيادة تليق بركب السائرين في” دروب الأمل”

الرياض - عناوين
ولنا كلمة*:
بكثير من التأني والحرص على صناعة الأمل، تعاملت السعودية مع المتغيرات التي أحاطت بها، خلال السنوات الماضية، غير أن ذلك لم يمنعها من اللجوء إلى الحزم فيما رأت أنه يستحق.
مرتان على الأقل، لجأت السعودية إلى الحزم ؛ أولهما وهي تتصدى لضغوط الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما من أجل ترك مصر تغرق في فوضى الاقتتال الأهلي، بعد الانتفاضة الشعبية التي أطاحت حكم حلفائه من جماعة الإخوان المسلمين في صيف 2013. والثانية، وهي تواجه التغلغل الإيراني الطائفي في اليمن، ساعية بذلك إلى دعم إرادة الشعب اليمني  للتحرر من الميليشيا الطائفية التي بسطت، بدعم من طهران، سلطتها على معظم أنحاء البلاد،  بالمخالفة لقرارات الشرعية الدولية.
أما الـتأني، فبقي سمة رئيسة للسياسة السعودية في التعامل مع قضايا عديدة، من بينها مثلًا : تطورات الملف النووي الإيراني، العلاقات مع العراق بعد الاحتلال الأمريكي، التعامل مع الوضع الداخلي في لبنان، إدارة العلاقات مع القوى العالمية كروسيا والصين والهند.
والحق أن هذا النمط من التعامل أثبت نجاحه بصورة جلية، وما على المتابع إلا أن ينظر إلى قائمة أصدقاء السعودية اليوم ، ليدرك حجم النجاح  الذي تحقق، وكان من نتائجه المباشرة تعزيز قوة السعودية وهي تستخدم الحزم في مواجهة أعدائها والمتربصين بها .
وعلى المستوى الاستراتيجي، مكنت ثنائية التآني/ الحزم السعودية من الحفاظ على زعامتها الإقليمية، وكذلك دورها الحيوي في جل القضايا المثارة بالمنطقة ،فيما بقي خصومها ومنافسوها في هامش التفاعلات، حتى أن كثيرًا منهم اختفى عن المشهد السياسي، دون أن ينجح ولو في المساس بالسعودية، رغم محاولاته ومؤامراته المتكررة، ولعل حالة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي تعبر عن ذلك بوضوح.
 في هذا الإطار، يلاحظ أن السعودية لم تسع – رغم ما أتيح لها من فرص بعد عاصفة التغيير التي هبت على المنطقة العربية في العام 2011، وما أدت إليه من خلل في توازنات القوى بالمنطقة-  لمغنم فردي توسع به دوائر نفوذها الإقليمية ، وإنما عملت على مساعدة الدول الشقيقة، كي تعود إلى معادلة الفعل والتأثير، عارفة أن القائد الحقيقي هو الذي يتعاون مع أشقائه لصالح الجميع، وليس من يقصيهم أو يعمل لخراب بلدانهم..
في تحركها لمواجهة تداعيات الربيع العربي، حافظت السعودية على منهج المتأني، دون أن تفقد جاهزيتها للحزم ، ولذلك لم تتأثر بمشاغبات القوى الصغيرة، ولم تندفع للصراعات الهامشية، بل بقيت قادرة على رؤية الأحداث من منظورها الأشمل، الذي يركز على حماية الأمة، لا المتاجرة والتربح بأزمات شعوبها.
ظهر ذلك جليًا، مع تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز زمام القيادة في شهر يناير 2015، إذ مضت الدولة  باتجاه تكثيف جهودها من أجل التصدي للمخاطر التي تهدد الأمة، كما شرعت  – بالتوازي مع إعادة ترتيب الدولة السعودية من الداخل- إلى اقتلاع مصادر الشر من جذورها في المنطقة، انطلاقًا من قناعتها بأن ذلك هو الباب الحقيقي الذي يضمن للجميع الأمن والاستقرار والرخاء.
وبتأثير تلك القناعة؛ لم تمض أكثر من ثلاثة أشهر على تولي الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم، حتى أطلقت السعودية “عاصفة الحزم” لإعادة الشرعية إلى اليمن والتصدي لمحاولة إيران إيجاد موضع قدم ونفوذ لها في خاصرة العرب، تمهيدًا لتكبيل إرادتهم.
وعلى ما يؤكد محللون، شكلت “عاصفة الحزم” دليلًا على أن السعودية، التي راهنت كثيرًا على الدبلوماسية والوساطات، لوقف المخطط الإيراني، قد وصلت ليقين بأن أمن العرب ومستقبلهم، يستدعي التحرك العسكري، مع ملاحظة أن السعودية حرصت أيضًا أن تكون هذا الخطوة جزءً من تحرك عربي و إسلامي أوسع، وتحت مظلة  قرارات الأمم المتحدة المؤيدة لحق اليمنيين في استعادة السلطة في وطنهم و إنهاء سيطرة المتمردين الحوثيين.
ويدل التزام السعودية بالتعاون الجماعي في التعامل مع الأزمة اليمنية على مدى تمسك السعودية بالشراكة مع الأشقاء وكذلك ثقتها بأن ما تقوم به إنما يصب في صالح الجميع، وهو ما أهلها لأن تكون – حسب وصف كتاب ومحللين – أبرع الدول فيما يسمى بـ”قيادة الموقف”.
ويلاحظ  أن السعودية، وعلى الرغم من أنها حازت، خلال العقود الثلاث الأخيرة، زمام المبادرة والتأثير في النظام الإقليمي العربي، إلا إنها لم تنفرد بخطوة أو مبادرة دون التوافق مع أشقائها، وذلك بالرجوع إليهم والتأكد من اتفاقهم معها في التوجهات والمواقف، وذلك على نحو ما حدث في طرحها المبادرة العربية للسلام في مؤتمر القمة العربي في بيروت 2002، ثم في تعاملها مع تطورات الأحداث في بعض الدول العربية بعد عواصف 2011.
لم تتخل السعودية عن هذا المنهج بامتداد العقود الماضية، غير أن دواعي الحزم دفعتها في بعض القضايا لممارسة القيادة المباشرة، تقديرًا منها لخطورة الموقف أو للسيطرة على الأحداث المتسارعة ..حدث ذلك خلال السنتين الأخيرتين من حكم الملك عبدالله (رحمه الله)، ثم تعزز في عهد الملك سلمان، لاسيما بعد إطلاق ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان “رؤية 2030″، التي تستهدف وضع السعودية بين القوى الكبرى سياسيًا واقتصاديًا.
في ظل هذه الرؤية، باتت قيادة السعودية للمنطقة واضحة للجميع، خاصة بعد أن تصدت لمخطط إشاعة الفوضى بالإقليم من خلال توظيف قوى وجماعات لاهم لها إلا الوصول إلى السلطة، مدعومة من عواصم راغبة في التوسع وفرض الهيمنة من أجل مصالح أيدلوجية وشخصية ضيقة ومؤذية للشعوب، قبل حكامها.
وحسب متابعين للسياسة الخارجية السعودية في عهد الملك سلمان ، فإن مكانة السعودية لم تعد مستمدة فحسب من خدمتها المشهودة للحرمين الشريفين، ولا من مساعداتها الإنسانية  المتدفقة لأشقائها في غير ساحة، وإنما أيضًا من دورها المؤثر والإيجابي في الحفاظ على مصالح الأمة وحقوقها، وكذلك الزود عنها في مواجهة المتآمرين و المتربصين وأصحاب المخططات السوداء.
* (عناوين)