عندما يفشل المستشار.. ويدفع المساهم الفاتورة

عبدالعزيز المطلق

قد تبدأ القصة من «نايكي»، لكنها لا تنتهي عندها.

ففي يوليو 2024، نشر موقع UX Collective مقالاً بعنوان لافت عن «الخطأ البالغ 25 مليار دولار» الذي ارتبط بتحول «نايكي» إلى استراتيجية أكثر اعتماداً على البيانات والمبيعات المباشرة للمستهلك. الفكرة الأساسية في المقال لم تكن أن البيانات سيئة، وإنما أن الشركة ربما أصبحت تحسن ما تستطيع قياسه، بدلاً من أن تسأل عما يجب أن تقيسه أصلاً.

وهنا تكمن القضية الحقيقية.

ماذا يحدث عندما تبني الإدارة استراتيجية على تحليل مستشار خارجي، ثم يكتشف الجميع بعد سنوات أن المشكلة لم تكن في جودة التحليل، وإنما في السؤال الذي طُلب من المستشار الإجابة عنه؟

هذا السؤال ليس أميركياً فقط. وهو ليس خاصاً بـ«نايكي». بل هو سؤال يهم الشركات العربية، ومجالس إدارتها، والصناديق الاستثمارية، والحكومات التي تنفق مليارات على الاستشارات الاستراتيجية.

المستشار ليس شماعة

لنبدأ من نقطة أساسية: ليس كل فشل سببه المستشار.

هناك فرق كبير بين أربعة أشياء: استشارة سيئة، وقرار إداري سيئ، وضعف في رقابة مجلس الإدارة، ومخالفة مهنية.

قد يقدم المستشار توصية خاطئة. وقد تتخذ الإدارة قراراً خاطئاً رغم حصولها على نصيحة جيدة. وقد يفشل مجلس الإدارة في طرح الأسئلة المناسبة. وقد يرتكب المدقق أو المستشار المهني مخالفة واضحة لالتزام قانوني أو مهني.

والمشكلة تبدأ عندما نخلط هذه الحالات الأربع.

في «إنرون»، مثلاً، كان لماكنزي ارتباط طويل بالشركة، وكان جيفري سكيلينغ، أحد مهندسي تحول «إنرون»، شريكاً سابقاً في ماكنزي. لكن انهيار «إنرون» لم يكن قضية «استشارة سيئة»؛ فقد تداخلت فيه ممارسات محاسبية مضللة وهياكل مالية معقدة وإخفاقات إدارية ورقابية جسيمة.

وفي Wirecard، كان الوضع مختلفاً تماماً. فقد كان EY المدقق الخارجي، أي أن العلاقة لم تكن مجرد تقديم رأي استراتيجي، وإنما تضمنت مسؤولية مهنية مستقلة عن مراجعة الحسابات. هنا يصبح السؤال عن الالتزام بالمعايير المهنية مختلفاً جذرياً.

أما في Silicon Valley Bank، فقد أظهرت مراجعة الاحتياطي الفيدرالي أن مجلس الإدارة والإدارة فشلا في إدارة المخاطر، مع وجود أوجه قصور أيضاً في بعض أعمال المستشارين.

الدرس المشترك؟

وجود مستشار لا ينقل المسؤولية من مجلس الإدارة إلى المستشار.

هل نستخدم المستشار الخارجي قبل اتخاذ القرار لتحدي الفرضية، أم نستخدمه بعد وقوع المشكلة لإدارة آثارها؟

الفارق بين الاثنين قد يساوي مليارات.

مرض )الباوربوينت(

في العالم العربي، هناك خطر آخر أكثر انتشاراً.

إنه الاعتقاد بأن جودة العرض التقديمي دليل على جودة الاستراتيجية.

يمكن لمشروع أن يحصل على دراسة من شركة استشارية عالمية تضم 200 صفحة، ورسومات بيانية ملونة، ومقارنات دولية، ونماذج مالية، ومصفوفات استراتيجية، وسيناريوهات متعددة.

لكن كل ذلك لا يجيب بالضرورة عن السؤال الأهم:

هل المشروع قابل للتنفيذ في البيئة التي سيعمل فيها؟

قد يكون النموذج ناجحاً في لندن أو سنغافورة أو نيويورك، لكنه لا يعمل بالطريقة نفسها في الرياض أو جدة أو دبي أو القاهرة.

وقد تكون المقارنة الدولية صحيحة من الناحية الإحصائية، لكنها خاطئة من الناحية الاقتصادية.

وقد تكون توقعات الطلب مبنية على سلوك مستهلك في سوق مختلفة.

وقد يكون النموذج المالي دقيقاً جداً، لكنه مبني على افتراضات غير واقعية.

وهنا يصبح لدينا ما يمكن تسميته:

)الدقة الخاطئة (

أرقام دقيقة مبنية على افتراضات خاطئة.

المشكلة ليست في المستشار.. بل في السؤال

عندما تستعين شركة بمستشار، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه مجلس الإدارة ليس:

(ما توصية المستشار؟)

بل:

(ما السؤال الذي طلبنا من المستشار الإجابة عنه؟)

إذا قالت الإدارة:

(نريد أن نعرف كيف نحقق نمواً أسرع.)

فسيبحث المستشار عن طرق لتحقيق النمو.

لكن ربما كان السؤال الصحيح:

(هل النمو الذي نسعى إليه مربح ومستدام أصلاً؟

إذا طلب من شركة استشارية تصميم استراتيجية للتحول الرقمي، فستقوم بتصميمها.

لكن ربما كان السؤال الحقيقي:

(هل عملاؤنا يريدون هذا التحول، أم أننا نريد فرضه عليهم؟)

إذا طلب مجلس الإدارة دراسة جدوى لمشروع ضخم، فستقدم له دراسة جدوى.

لكن السؤال الأكثر أهمية قد يكون:

(ما الذي يمكن أن يجعل هذا المشروع يفشل؟)

وهنا يظهر الفرق بين المستشار الذي يقدم خدمة والمستشار الذي يمارس دوره كـ (صديق ناقد(.

الخطر الأكبر: أن يصبح المستشار جزءاً من المجموعة

هناك مشكلة حوكمية دقيقة.

عندما تعمل شركة استشارية مع الإدارة لسنوات، وتشارك في وضع الاستراتيجية، وإعادة الهيكلة، وتصميم مؤشرات الأداء، ثم تعود لتقييم النتائج، قد تصبح أقل ميلاً إلى التشكيك في الفرضيات التي ساهمت هي نفسها في بنائها.

وهنا لا نتحدث عن سوء نية.

إنها مشكلة بشرية ومؤسسية.

من الصعب أن تكون ناقداً مستقلاً لاستراتيجية ساعدت أنت في تصميمها.

ولهذا تحتاج مجالس الإدارة في الشركات الكبرى إلى الفصل، قدر الإمكان، بين:

المستشار الذي يصمم الاستراتيجية،

والمستشار الذي يختبرها بصورة مستقلة،

والجهة التي تقيس نتائجها.

كلما زاد عدد المستشارين، زادت أهمية وجود جهة داخلية قادرة على جمع آرائهم، ومقارنتها، وتحدي افتراضاتهم، وتحمل مسؤولية القرار النهائي.

من يحاسب المستشار؟

هنا نصل إلى السؤال الذي نادراً ما يطرح في العالم العربي:

إذا أخطأ المستشار، من يحاسبه؟

الإجابة يجب ألا تكون تلقائياً: مجلس الإدارة.

ولا ينبغي أن تكون تلقائياً: المستشار.

بل يجب تحديد نوع الخطأ.

إذا كانت التوصية مبنية على معلومات صحيحة وتحليل مهني معقول، لكنها فشلت بسبب تغير ظروف السوق، فهذا ليس بالضرورة خطأ مهنياً.

أما إذا تجاهل المستشار معلومات جوهرية، أو استخدم منهجية غير مناسبة، أو قدم نتيجة يعلم أو يفترض مهنياً أنها مضللة، فهنا تتغير المسألة.

وإذا كان دوره يتضمن التزاماً مهنياً أو تنظيمياً محدداً، مثل التدقيق أو التقييم أو إصدار رأي مهني، فإن مستوى المسؤولية يصبح أعلى.

يجب ألا يدفع المساهم ثمن الجميع

المشكلة في النهاية ليست أن المستشارين يخطئون.

البشر والمؤسسات كلها تخطئ.

المشكلة هي أن نظام الحوكمة يسمح أحياناً بأن يختبئ الجميع خلف بعضهم بعضاً.

الإدارة تقول: )المستشار أوصى(.

المستشار يقول: )الإدارة قررت(.

مجلس الإدارة يقول: )المعلومات المقدمة إلينا كانت إيجابية(.

المساهم يقول: )ومن يدفع ثمن الخطأ؟(

والجواب غالباً يكون:

المساهم.

وهنا يجب أن تتغير ثقافة مجالس الإدارة.

لا ينبغي أن يكون دور المجلس التصديق على دراسة المستشار.

بل يجب أن يكون دوره اختبارها.

لا ينبغي أن يسأل فقط:

)هل لديكم بيانات؟(

بل:

)ما البيانات التي لا نملكها؟(

لا ينبغي أن يسأل فقط:

)ما السيناريو الأساسي(

بل:

)ما السيناريو الذي يمكن أن يفشل فيه المشروع؟(

ولا ينبغي أن يسأل فقط:

)ما الذي يقوله المستشار؟(

بل:

)ما الذي يمكن أن يجعل المستشار مخطئاً؟(

الخلاصة

قصة «نايكي» ليست قصة عن شركة استخدمت البيانات بشكل خاطئ فقط.

و«إنرون» ليست قصة عن مستشار سيئ.

و AOL–Time Warner ليست قصة عن بنك استثماري أخطأ في صفقة.

و SVB ليست قصة عن مستشارين لم يكتشفوا المخاطر.

و Wirecard ليست مجرد قصة عن شركة انهارت.

هذه كلها، بدرجات مختلفة، قصص عن حدود الخبرة الخارجية عندما لا تقابلها حوكمة داخلية قوية.

وفي العالم العربي، حيث تتسارع المشاريع العملاقة والتحولات الاقتصادية، يصبح هذا الدرس أكثر أهمية.

المستشار الجيد لا ينبغي أن يكون الشخص الذي يجعل فكرة الإدارة تبدو أكثر ذكاءً.

بل الشخص الذي يمتلك الشجاعة المهنية ليقول لها:

)فكرتكم قد تكون خاطئة.(

أما مجلس الإدارة الجيد، فهو المجلس الذي لا يبحث عن مستشار يؤيد ما يعتقده، بل عن مستشار يستطيع أن يثبت له أن ما يعتقده قد يكون خطأ.

لأن أخطر مستشار ليس الذي يقدم نصيحة سيئة.

بل المستشار الذي يقدم نصيحة مريحة، ومجلس الإدارة الذي لا يجرؤ على رفضها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات