لن تأتي هذه المرة يا أبا خالد.. أتعبني غيابك
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
مرّ أكثر من شهر على وفاة أخي وصديقي عبدالله الساكت، (أبو خالد.)..
طوال هذه الأيام حاولت أكثر من مرة أن أكتب عنه، وفي كل مرة كنت أتوقف. كانت دموعي تسبق عباراتي، والذكريات تتزاحم أمامي حتى أعجز عن إكمال ما بدأت.
أؤمن بقضاء الله وقدره، وأؤمن أن الخيرة فيما اختاره الله دائمًا، لكن رحيل أبي خالد المفاجئ أتعبني، وترك في داخلي فراغًا لم أعتد عليه.
قبل رحيله بأيام قليلة، كنت قد كتبت مقالًا عن ظرف عائلي صعب مررت به بسبب مرض قريب جدًا مني، وعن تلك المواقف الإنسانية التي تأتيك في أوقات الشدة فتخفف عنك ثقل الأيام. شكرت حينها كل من وقف معي، لكنني خصصت ثلاثة من أصدقائي المقربين بالاسم، وكان أبو خالد واحدًا منهم.
لم أكن أعلم وأنا أكتب اسمه شاكرًا له وقفته معي، أنني بعد أيام قليلة سأعود لأكتب الاسم نفسه… ولكن راثيًا صاحبه.
أبو خالد لم يكن بالنسبة لي مجرد صديق، ولم يكن مجرد أخ. كان شيئًا أكبر من أن أجد له وصفًا واحدًا.
كنت أستمتع بمجالسته كما أستمتع بقراءة كتاب جميل لا أريد الوصول إلى صفحته الأخيرة. مثقف، صاحب فكر عميق، وهمة لا تهدأ، شغوف بكل جديد في الفكر والمعرفة، وله قدرة لافتة على التحليل وربط الأشياء ببعضها.
وكان مع علمه ومعرفته كريمًا في نقل ما يعرف. كثيرون ممن عملوا معه كانوا يعدّون أنفسهم من تلاميذه؛ لأنه لم يكن يبخل على أحد بمعلومة أو تجربة أو توجيه. واليوم، لا شك أنهم يفتقدون ملاحظاته وتوجيهاته وعباراته واستشهاداته الجميلة.
كان لكل فكرة عند أبي خالد شاهد، ولكل موقف قصة؛ مقولة أو حكمة، بيت شعر أو حكاية من التراث، معلومة أو آية من كتاب الله. ولهذا كان مجلسه لا يُمل، وحديثه لا ينتهي.
وبيته في الرياض كان يشبه قلبه… كبيرًا ومفتوحًا وعامرًا بالناس.
ضيوفه من داخل المملكة وخارجها، ومن النادر جدًا أن أزور الرياض ولا أدخل بيته. بل كثيرًا ما كان بيته أول مكان أتوجه إليه قبل الفندق. أجلس معه وتمتد الأحاديث، وننتقل من موضوع إلى آخر، ثم أنظر إلى الساعة فإذا الليل قد مضى ووصلنا إلى الفجر… ولا أشعر بالوقت ولا أمل حديثه.
وللبيوت أيضًا ذكريات لا تموت.
فرغم ما في بيت أبي خالد من خدم وحشم، كانت أم خالد، حفظها الله، تغمرني بكرمها ولطفها، وتصر على أن تعد لي بنفسها وجبة تعرف أنني أحبها ولا يجيد إعدادها مثلها أحد. وكانت تحرجني بكرمها كل مرة، حتى لو كان أبو خالد قد أولم لي بخروف، فلا بد أن تكون “طبختي” حاضرة.
وكان الأمر نفسه حين يأتي أبو خالد إلى الدمام. كان يطلب مني أن أبلغ أم عمر أن تعد له الطبخة التي يحبها وتجيد إعدادها.
ويا لقسوة بعض الرسائل حين نعود إليها بعد رحيل أصحابها.
في آخر رسالة بيننا كتب لي:
“وإن شاء الله أجيكم قريب، وتعد أم عمر لي الطبخة المفضلة”.
قرأتها يومها باعتبارها وعدًا بلقاء قريب، ولم يخطر ببالي أنها ستكون من الكلمات الأخيرة التي تبقى لي منه.
لن يأتي أبو خالد هذه المرة، ولن نجلس حول تلك المائدة، لكن رسالته بقيت… وبقي صوته في الذاكرة، وبقي مكانه الذي لا يملؤه أحد.
كان أبو خالد شديد الاعتزاز بأسرته، سعيدًا بها، يتحدث بفخر عن أبنائه وبناته وما حققوه من نجاح في دراستهم وأعمالهم وما وصلوا إليه، وكان لحفيده «عبودي» مكان خاص في قلبه وحديثه. كنت ترى سعادته بهم في عينيه قبل أن تسمعها في كلماته.
فقدت في أبي خالد صديقًا وأخًا وعضيدًا.
فقدت الرجل الشهم الكريم، صاحب المروءة والأصالة، وفقدت مجلسًا كنت أعرف أنني كلما دخلته سأخرج منه أكثر معرفة وأخف روحًا. وفقدت إنسانًا كنت أطمئن إلى وجوده في حياتي، وكأن بعض الناس لا يخطر ببالنا أنهم سيرحلون يومًا.
أربعون يومًا يا أبا خالد، وما زال غيابك جديدًا.
رحلت عن أعيننا، لكنك تركت في كل من عرفك شيئًا منك؛ علمًا تعلمه منك، أو موقفًا لا ينساه، أو كلمة طيبة، أو مجلسًا جميلًا، أو ذكرى ستظل حاضرة كلما جاء اسمك.
رحمك الله يا أبا خالد رحمة واسعة، وغفر لك، ورفع درجتك، وجعل ما قدمته من علم ومعرفة وخير ومواقف نبيلة في ميزان حسناتك، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وجمعنا بك في مستقر رحمته.
وعزائي أن الرجال الطيبين وإن غابوا بأجسادهم، لا يغيبون حقًا؛ لأنهم يتركون وراءهم من الذكريات والمواقف والمحبة ما يجعل حضورهم أطول من أعمارهم.
