الرأي
سوريا وإدارة الفكر والثقافة
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
المجتمعات الحية مهما اشتدت عليها الظروف لا تتخلى عن الكتاب، فالكتاب رفيق صالح وخير جليس إذا أُعد إعدادًا طيبًا، وهو زاد الروح كما أن الخبز زاد الجسد.
قبل أشهر وصلتني دعوة من وزارة الثقافة السورية للمشاركة ضمن نخبة من الباحثين العرب من المشرق والمغرب في مشروع وطني طموح أطلقوا عليه “هيئة الموسوعة العربية”، وهي هيئة تعنى بإصدار الموسوعات المتخصصة. ليست الدعوة بحد ذاتها هي ما أدهشني، فهذا الدور ليس غريبًا على سوريا ولبنان ومصر والعراق، فهذه البلدان جعلت من الكتاب تاريخًا وهوية. إنما وجه الدهشة الحقيقي هو التوقيت؛ مجتمع خرج للتو من حرب أهلية طاحنة بدأت في 2011م، ولم تنته إلا بسقوط النظام السابق في ديسمبر 2024م، مجتمع ما زالت جراحه مفتوحة، وبنيته التحتية منهكة، وأهله يعانون الفاقة والحاجة بعد أن ركز النظام البائد على الجعجعة والشعارات وترك الإنسان، ومع ذلك فإن أول ما فكرت به الإدارة الجديدة بقيادة الشرع، وهي لم يمض على تسلمها السلطة إلا أشهر، أن تؤسس هيئة للفكر الموسوعي.
هنا مررت بمرحلتين: مرحلة إعجاب بهذا الوعي، ومرحلة إحباط عند المقارنة، مجتمع يخرج من تحت الركام يرى أن الثقافة هي أساس البناء، ومجتمعات أخرى تنعم بالأمن والرخاء والدعم بالملايين، تفكر في تأجيل معرض الكتاب، وكأن الثقافة ترف يمكن تأجيله.
كيف اقتنع السوريون بهذا؟ لأنه ليس قرار ًا فردًا، بل هو فكر جمعي متراكم. الثقافة لا تُغرس بقرار، بل هي استراتيجية طويلة تصبح فيها “الثقافة” جزءًا من البنية التحتية للمجتمع، لا يكتمل بنيانه بدونها. وهذا ما نجحت فيه الدولة السورية في مراحلها الأولى قبل أن يأتي نظام بشار ويحول كل شيء إلى أداة تسلط، وإن كنت لا أتفق مع النظام السابق مطلقًا إلا أن هذه الحقيقة يجب أن تقال، فنجح النظام من خلال التعليم والإعلام في جعل الثقافة اساسية في المجتمع.
إن الذي يترك الكتاب ويؤجل الثقافة إنما يحكم على نفسه بالبقاء في الظل، وقد أحسن الشاعر حين قال:
العلمُ يبني بيوتًا لا عمادَ لها… والجهلُ يهدمُ بيتَ العزِّ والكرمِ
وقول أحمد شوقي: بالعلمِ والمالِ يبني الناسُ مُلكَهُمُ… لم يُبنَ مُلكٌ على جهلٍ وإقلالِ
أما من يزهد في الثقافة ويظن أن التنمية تكون بغيرها، فهذا ما قاله الإمام الشافعي فيه:
ومن لم يذق مُرَّ التعلمِ ساعةً… تجرعَ ذُلَّ الجهلِ طولَ حياتهِ
ولا شك عندي أن مستقبل مجتمع هذا ديدنه هو مستقبل مشرق ومزهر ووضاء فسوريا بلد الأبجدية باقية.
لذلك تمنيت أن تركز وزارة الثقافة عندنا على مهمتها الجوهرية، وهي نشر الوعي الحضاري والثقافي والسلوكي، وأن تترك إدارة الجامعات والمعاهد لوزارة التعليم، فلكل وزارة ثغرها، وثغر الثقافة هو الأخطر والأبقى.

