الاحتواء لم يكن وهمًا… بل استجابة لنمط من التمدد
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
إن القول إن الحرب على إيران كشفت أن سياسة الاحتواء كانت «وهمًا» يبدو مقنعًا فقط إذا بدأ تاريخ المنطقة في اليوم الذي أُطلقت فيه الصواريخ. أما بالنسبة إلى كثير من الدول العربية، فلم يكن الاحتواء يومًا نظرية غربية مجردة، ولا حملة أيديولوجية لعزل دولة مجاورة، بل نشأ بوصفه ردًا دفاعيًا على عقود من النفوذ الإيراني الذي تجاوز الحدود الوطنية عبر جماعات مسلحة، وهياكل عسكرية موازية، وشبكات سياسية أضعفت سيادة العراق وسوريا ولبنان واليمن. ووصف الاحتواء بأنه مجرد وهم، من دون مواجهة هذا السجل، يشبه مناقشة الحريق مع تجاهل من حمل الوقود إلى المبنى.
المشكلة الأساسية في نقد الاحتواء أنه يتعامل مع إيران بوصفها هدفًا للضغط فقط، لا بوصفها أيضًا مصدرًا للضغط. فالاحتواء لم ينشأ لمجرد أن عواصم غربية رفضت النظام السياسي الإيراني، بل اكتسب أهميته من منظور خليجي لأن دول المنطقة رأت أمامها استراتيجية إقليمية تقوم على دعم فاعلين مسلحين من غير الدول، تتجاوز ولاءاتهم وسلاسل قيادتهم مؤسسات الدولة الوطنية، بل تنافسها أحيانًا. وقد وصفت الولايات المتحدة «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري بأنه الأداة الرئيسية التي استخدمتها إيران لدعم جماعات مسلحة وتنفيذ أنشطة سرية في الخارج، فيما تواصل النقاشات في مجلس الأمن اعتبار الدعم الإيراني للجماعات المسلحة في لبنان واليمن والعراق وسوريا أحد أبرز معوقات خفض التصعيد الإقليمي.
في العراق، لم يدخل النفوذ الإيراني في صورة علاقة طبيعية بين دولتين ذواتي سيادة، بل نما عبر الرعاية السياسية والشبكات الاقتصادية والفصائل المسلحة التي اكتسبت نفوذًا خارج السيطرة الكاملة للدولة العراقية. وقد اندمج بعض هذه الفصائل في مؤسسات رسمية مع احتفاظها بعلاقات أيديولوجية وعملياتية عابرة للحدود. وكانت النتيجة نظامًا أمنيًا منقسمًا، عجزت فيه الحكومات المنتخبة مرارًا عن احتكار استخدام القوة. كما وثقت إحاطات أممية هجمات نفذتها جماعات مسلحة في العراق وسوريا ضمن الصراع الإقليمي الأوسع، بما يعكس كيف تحولت الأراضي العراقية إلى ساحة لصراعات لا يملك العراقيون العاديون قرارها.
أما في سوريا، فكانت النتائج أكثر كارثية. فقد أسهم التدخل الإيراني في إبقاء النظام قائمًا خلال انتفاضة وطنية تحولت لاحقًا إلى حرب متعددة الجبهات، عبر المستشارين والموارد والميليشيات الحليفة القادمة من عدة دول. وتشير تقارير لجنة التحقيق الدولية إلى أن قوات الحكومة السورية والميليشيات المرتبطة بها، بدعم إيراني وروسي، استعادت مساحات واسعة في حملات اتسمت بمعاناة مدنية هائلة. وقد أدت الحرب إلى تهجير ملايين السوريين، وتدمير مدن وبلدات، وتغيير الطابع الديموغرافي والسياسي لمجتمعات كاملة. صحيح أن المسؤولية مشتركة بين أطراف محلية وخارجية عديدة، لكن لا يمكن تصوير إيران بصدق باعتبارها مجرد جار داعم للاستقرار أو طرف دبلوماسي محايد.
وتكشف التجربة السورية الضعف الأخلاقي في حجة رفض الاحتواء. فالسياسة الخارجية لا تُقاس فقط بقدرتها على إبقاء دولة ما من الانهيار، بل أيضًا بنوعية الدولة التي أبقتها قائمة، وبالوسائل المستخدمة، وبالكلفة الإنسانية التي ترتبت عليها. إن دعم جهاز حكم في وقت كانت فيه المدن تُحاصر، والسكان يُهجّرون، والميليشيات الموازية تترسخ، قد يحفظ النظام، لكنه لا يعني بالضرورة أنه يحفظ الدولة. وفي لحظة ما، يتحول ما يسمى «العمق الاستراتيجي» إلى اسم آخر لنشر الأصول العسكرية والوكلاء المسلحين والاعتماد السياسي داخل بيوت المجتمعات المجاورة.
وفي لبنان، يظهر نموذج أقل صخبًا لكنه لا يقل دلالة. فقد مكّن الدعم الإيراني جماعة مسلحة من التحول من حركة مقاومة إلى قوة عسكرية وسياسية تفوق قدرات مؤسسات الدولة نفسها. وبغض النظر عن قاعدتها الشعبية أو دورها التاريخي، فإن وجود فاعل مسلح يعمل خارج السلطة الحصرية للدولة شوّه الحياة السياسية اللبنانية، وقيّد القرار السيادي، وعرّض البلاد مرارًا للحروب والردود العسكرية. وقد اعتبرت نقاشات دولية متكررة أن تمويل إيران وتسليحها لحزب الله عامل رئيسي في عدم استقرار لبنان وفي تآكل احتكار الحكومة للقرار الأمني الوطني.
والنتيجة هي تعريف غريب للسيادة: لبنان مستقل رسميًا، لكن قرار الحرب والسلم يمكن أن يتأثر بجماعة مسلحة ترتبط استراتيجيًا بدولة أجنبية. هذه ليست شراكة بين متساويين، بل تركيب عجلة قيادة ثانية في مركبة تكافح أصلًا للبقاء على الطريق، ثم إبداء الدهشة عندما يختلف الركاب حول الاتجاه.
وفي اليمن، طُبق النموذج نفسه على بلد كان منقسمًا أصلًا. فقد سيطرت جماعة الحوثي على العاصمة، وأزاحت السلطات المعترف بها دوليًا، وحاولت تغيير النظام السياسي بالقوة. وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة في 2015 أن محاولات الحوثيين وحلفائهم الاستيلاء على الأراضي وتقويض الحكومة الشرعية خالفت قرارات مجلس الأمن والالتزامات الواردة في العملية السياسية الأممية. كما تناولت تقارير خبراء الأمم المتحدة وصول أسلحة ومكونات مزدوجة الاستخدام إلى الحوثيين، فيما توثق مواد العقوبات الصادرة عن مجلس الأمن هجمات على المدنيين والبنية التحتية، وقمعًا داخليًا، وتجنيدًا للأطفال، واستخدامًا عشوائيًا للألغام.
هذا النمط المتكرر — شركاء مسلحون في العراق، تدخل عسكري وميليشيات حليفة في سوريا، ترسانة موازية في لبنان، ودعم لسلطة متمردة في اليمن — يفسر لماذا نظرت دول الخليج إلى الاحتواء باعتباره دفاعًا عن النفس. لم يكن الهدف معاقبة إيران أو حرمانها من دور إقليمي مشروع، بل الحد من قدرة جار أكبر على إسقاط قوته عبر شبكات تتجاوز الحدود، وتضعف الحكومات، وتنقل ساحات القتال إلى العواصم العربية.
ومن منظور خليجي، تبدو الصورة مختلفة كثيرًا عما قد تبدو عليه من غرفة تحرير أوروبية. فقد واجهت دول الخليج تهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وهجمات على منشآت الطاقة، ومخاطر متكررة على الممرات البحرية. وهي تعيش بجوار مصدر المواجهة، ولا تستطيع التعامل مع الأمن الإقليمي بوصفه نقاشًا فكريًا حول ما إذا كان الحوار يبدو أكثر تحضرًا من الردع. بالنسبة إليها، كان الاحتواء أشبه ببناء حاجز بحري: ليس لإلغاء البحر، بل لمنع كل موجة جديدة من دخول غرفة المعيشة.
هذا لا يعني أن الاحتواء كان ناجحًا بالكامل. فهو لم يُنه النفوذ الإيراني، ولم يقضِ على القدرات الصاروخية، ولم يمنع طهران من بناء شبكات مرنة. كما أن العقوبات في أوقات كثيرة عززت المتشددين وأضرت بالمواطنين العاديين، وتحول الضغط أحيانًا إلى بديل عن الاستراتيجية. كذلك أنتج العمل العسكري مرارًا تصعيدًا غير مقصود. لكن الفشل في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني أن التهديد الأصلي كان خيالًا. فالقفل الذي لا يمنع كل متسلل قد يكون ضعيفًا، لكنه لا يثبت أن ترك الباب مفتوحًا كان الخيار الصحيح.
كما ينبغي ألا يُفهم الاحتواء بوصفه عداوة دائمة. فالسياسة الإقليمية الجادة يجب أن تجمع بين الردع والدبلوماسية، وبين الانخراط الاقتصادي والحدود القابلة للتنفيذ، وبين احترام سيادة إيران والاحترام المتساوي لسيادة جيرانها العرب. التفاوض ضروري، لكنه لا يمكن أن يعني القبول باعتبار الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة امتدادًا شرعيًا للسياسة الخارجية. ولا ينبغي أن يتحول الحوار إلى ستار دبلوماسي تنمو خلفه الجيوش الموازية.
وعليه، فالخلاصة الأكثر إقناعًا ليست أن الاحتواء كان وهمًا، بل أن الاحتواء من دون تسوية سياسية كان ناقصًا. فالضغط العسكري وحده لم يصنع سلامًا دائمًا، لكن الدبلوماسية من دون كبح الشبكات الإقليمية المسلحة لم تكن قادرة على إنتاج أمن حقيقي. المنطقة لا تحتاج إلى حرب تعيد تشكيل إيران، ولا إلى سلام يطبع مع التدخل في شؤون الدول.
من حق العراق وسوريا ولبنان واليمن أن تتخذ قراراتها الوطنية من دون أن تحوم فوق حكوماتها هياكل مسلحة ممولة من الخارج. وما لم يُعترف بهذا المبدأ من جميع الأطراف، فلن تختفي سياسة الاحتواء من قاموس المنطقة. وستبقى كما كانت بالنسبة إلى كثير من دول الخليج منذ البداية: ليست مشروعًا للهيمنة، بل درعًا رفعته دول سبق لها أن رأت ماذا يحدث عندما يُقدَّم التوسع على أنه دبلوماسية.
