وجع ما بعد الرحيل

محمد البكر

أحياناً لا تصدمك الفاجعة وحدها ، بل تصدمك التفاصيل التي تكتشفها بعدها . تلك التفاصيل الصغيرة التي تأتي متأخرة ، فتفتح في القلب جرحاً آخر، أشد وجعاً من خبر الرحيل نفسه.

يرحل صديق عزيز ، ورفيق درب قريب من الروح ، وأنت تظن أنه تجاوز مرحلة الخطر ، وأنه في طريقه إلى النقاهة بعد محنة مرضية مؤلمة . لم تكن بعيداً عنه ، ولا غافلاً عن حاله ، ولا مقصراً عن عمد ، لكن المعلومة التي وصلتك كانت ناقصة . بنيت اطمئنانك على حديث قديم معه ، ولم تكن تعلم أن المرض قد غيّر مساره ، وأن الانتكاسة التي لحقت به كانت آخر الطريق .

وحين يأتيك الخبر من صديق مشترك ، تشعر أن الحزن لم يعد حزناً على الفقد فقط ، بل صار حزناً على ما فاتك أن تفعله . تتمنى لو أنك كنت أقرب ، لو أنك سألت أكثر، لو أنك خففت عنه بكلمة ، أو وقفت معه ولو بالدعاء والمواساة . ويزداد الألم حين تتذكر أنك ، دون أن تدري ، كنت تثقل عليه ببعض هموم الحياة في شهوره الأخيرة ، بينما كان هو يصارع وجعه بصمت ونبل .

ثم تأتيك حكاية أخرى لا تقل وجعاً . صديق عزيز كان ضمن قائمة بريدية تصله مقالاتك اليومية ، فتكتشف بعد رحيله أنه كان مريضاً ، وأنه كان يقرأ ما تكتب قبل يومين فقط من وفاته دون أن تعرف عن مرضه . هنا تشعر أن الكلمات التي كنت ترسلها للناس كانت تصل إلى قلب يتألم ، وأن قارئاً قريباً منك كان يودع الدنيا بهدوء وأنت لا تعلم .

بعض الأحزان لا تنتهي عند لحظة الوداع . هناك حزن يأتي بعدها ، حين نكتشف أننا لم نكن نعرف كل شيء ، ولم نكن قريبين كما ينبغي .

رحم الله أصدقاء الرحلة ، وألهمنا بعدهم … أن ننتبه لمن بقي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات