بين القرار والإنسان… منى العيبان توثق رحلتها الإدارية في كتاب جديد

صدر مؤخرًا كتاب «رحلتي في الإدارة» للأستاذة منى بنت عبدالمحسن العيبان، في عمل يقدّم تجربة مهنية ممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، تتقاطع فيها الخبرة الإدارية مع الرؤية الإنسانية، وتلتقي فيها الممارسة اليومية مع التأمل الواعي في مفاهيم القيادة وصناعة القرار. ويأتي هذا الإصدار ضمن سياق متنامٍ من الكتابات التي تسعى إلى توثيق التجارب المحلية، ليس بوصفها سردًا شخصيًا فحسب، بل بوصفها مادة معرفية يمكن البناء عليها وتطويرها.

الكتاب، في جوهره، ليس دليلًا نظريًا في الإدارة، ولا مجموعة قواعد جاهزة للتطبيق، بل هو أقرب إلى رحلة فكرية وعملية داخل دهاليز العمل الإداري، حيث تتكشّف ملامح القيادة الحقيقية بعيدًا عن التنظير المجرّد. تستعرض المؤلفة محطات مختلفة من مسيرتها، متوقفة عند لحظات مفصلية شكّلت وعيها الإداري، بدءًا من بدايات التأسيس، مرورًا بتجارب اتخاذ القرار، ووصولًا إلى إدارة الأزمات وبناء الفرق وتطوير بيئات العمل.

ما يميّز هذا العمل هو قدرته على تحويل التجربة الشخصية إلى مادة قابلة للتأمل العام. فالقارئ لا يجد نفسه أمام سيرة ذاتية تقليدية، بل أمام نص يوازن بين السرد والتحليل، حيث تُستدعى المواقف لا لمجرد الحكاية، بل لاستخلاص الدروس وإعادة قراءتها في ضوء متغيرات العمل المؤسسي. وفي هذا السياق، يتناول الكتاب موضوعات متعددة، من أبرزها: مفهوم القيادة التحويلية، وإدارة التغيير، وأهمية بناء الثقة داخل فرق العمل، إضافة إلى مهارات التواصل واتخاذ القرار في بيئات تتسم بالتعقيد والتسارع.

كما يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بالجانب الإنساني في الإدارة، مؤكدًا أن النجاح المؤسسي لا يتحقق فقط عبر الأنظمة والإجراءات، بل عبر فهم أعمق لطبيعة الإنسان داخل المنظمة. ومن هنا، تبرز قيمة التجربة التي تطرحها المؤلفة، حيث تتقاطع المهنية مع الحس الإنساني، وتُعاد صياغة العلاقة بين القائد وفريقه بوصفها علاقة تأثير متبادل، لا مجرد تسلسل وظيفي.

وعلى امتداد صفحاته، يعكس الكتاب وعيًا متقدمًا بتحولات البيئة الإدارية، سواء على مستوى التحديات أو الفرص. فهو لا يكتفي باستعراض ما كان، بل يفتح أفقًا لما يمكن أن يكون، من خلال قراءة نقدية للتجارب، واستشراف لاحتياجات المستقبل، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها المؤسسات اليوم.

تجربة الأستاذة منى العيبان، التي تجاوزت ثلاثين عامًا في العمل الإداري، تمنح هذا الكتاب مصداقية عالية، حيث لا يتحدث عن الإدارة من خارجها، بل من داخلها. وهي تجربة تراكمت عبر مواقع ومسؤوليات متعددة، ما أتاح لها رؤية شمولية تجمع بين التفاصيل اليومية والصورة الكبرى، وبين التحديات العملية والرؤى الاستراتيجية.

في المحصلة، يقدّم «رحلتي في الإدارة» إضافة نوعية للمكتبة الإدارية العربية، بوصفه عملًا يجمع بين التجربة والمعرفة، ويعيد الاعتبار لقيمة الخبرة المحلية في صياغة مفاهيم الإدارة. وهو كتاب يُخاطب المهتمين بالقيادة والعمل المؤسسي، كما يُلهم الجيل الجديد من القيادات الطامحة، ويمنحهم فرصة للاطلاع على تجربة واقعية ثرية، تُقدَّم بلغة واضحة، ورؤية متزنة، تعكس عمق التجربة ونضجها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات