من “بوابة الحرب الثالثة” إلى واقع اليوم: حين تتحول النبوءة إلى بنية صراع
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في مارس 1980، نشر الكاتب مصطفى نبيل في مجلة العربي مقالًا بعنوان “مضيق هرمز: هل يصبح بوابة الحرب العالمية الثالثة؟”، قدّم فيه قراءة مبكرة لطبيعة الصراع في الخليج، معتبرًا أن الموقع الاستراتيجي للمضيق واعتماد العالم المتزايد على نفط المنطقة يجعلان منه نقطة اختناق دولية قابلة لإشعال صراع واسع. وأشار إلى أن تداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية، إلى جانب هشاشة التوازن في المنطقة، قد يحوّل أي توتر محدود إلى أزمة عالمية، ليس بفعل النوايا وحدها، بل نتيجة حتميات الجغرافيا وتشابك المصالح.
بعد أكثر من أربعة عقود، لا يبدو المقال وكأنه ينتمي إلى الماضي، بل إلى الحاضر بشكل مقلق. فما طرحه لم يكن تنبؤًا بحرب بعينها، بل توصيفًا لبنية صراع مستمرة، قائمة على موقع جغرافي حاكم، واعتماد عالمي متزايد، وتداخل معقّد بين القوى الإقليمية والدولية.
في هذا السياق، يعود مضيق هرمز اليوم إلى الواجهة مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل أصبح أداة استراتيجية في حسابات الردع والتصعيد. إيران تدرك أن قدرتها لا تكمن فقط في المواجهة المباشرة، بل في تأثيرها على هذا الشريان الحيوي، بينما ترى الولايات المتحدة أن أي تهديد له يتجاوز الإقليم ليصل إلى النظام العالمي. أما إسرائيل، فتتعامل مع الصراع باعتباره ممتدًا، قد تصل تداعياته إلى هذا الممر بشكل غير مباشر.
الصراع الحالي لا يأخذ شكل حرب تقليدية. لا توجد جبهات واضحة أو إعلان رسمي، بل تصعيد محسوب يتجلى في ضربات محدودة ورسائل ردع وتحركات دقيقة. وهذا يعكس تحولًا في طبيعة الحروب، حيث لم تعد تبدأ فجأة، بل تتشكل تدريجيًا عبر تراكم الأزمات.
من هنا، يمكن القول إن الحرب التي حذّر منها المقال لم تحدث بالشكل المتوقع، لكنها لم تغب أيضًا. فقد تحولت إلى حالة مستمرة من التوتر المنضبط، تتجسد في حوادث متكررة واحتكاكات غير مباشرة، دون أن تصل إلى انفجار شامل.
هذا الواقع يقوم على ما يمكن وصفه بـ“توازن الخطر”. إيران تلوّح دون أن تنفذ، الولايات المتحدة تردع دون أن تصعّد، وإسرائيل تضغط دون أن تدخل مواجهة شاملة. لكن هذا التوازن بطبيعته هش، يعتمد على حسابات دقيقة قد تختل في أي لحظة.
ورغم تغير التحالفات وتبدل موازين القوى، تبقى الحقيقة الأساسية كما هي: العالم لا يزال يعتمد على هذا الممر الحيوي دون امتلاك بدائل كافية. وهذا ما يجعل أي اضطراب فيه اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدولي على التماسك.
في النهاية، لم يكن تحذير عام 1980 عن حرب عالمية وشيكة، بل عن واقع أكثر تعقيدًا: منطقة ستظل دائمًا على حافة التصعيد. واليوم، مع تصاعد التوترات، يتضح أن الجغرافيا لم تتغير، بل إن الاعتماد عليها ازداد، ومعه تضاعفت المخاطر.
المشكلة ليست في احتمال اندلاع الحرب من مضيق هرمز، بل في أن العالم كله مرتبط بها بشكل لا يسمح بتحمل نتائجها إذا حدثت.