الصفار … قصة حزينة

محمد البكر

رحل وهو يشرح الدرس
ليس كل الغياب يُقاس بالسنين ، بعضه يُقاس باللحظة … لحظة صمت مفاجئة داخل فصل ، حين يتحول صوت الشرح إلى صدمة ، وتتحول الحصة إلى ذكرى لا تُنسى .
في القطيف ، لم تكن الحكاية مجرد خبر عابر عن وفاة معلم داخل فصله ، بل كانت صورة تختصر معنى المهنة حين تتجاوز كونها وظيفة إلى أن تكون رسالة يعيشها صاحبها حتى آخر نبضة . مؤيد الصفار – رحمة الله عليه – لم يكن في طريقه إلى الراحة ، ولا في إجازة عابرة ، كان في قلب عمله ، بين طلابه ، يؤدي ما اعتاد عليه كل يوم … يشرح، يوجه ، ويزرع شيئًا لا يُرى اليوم ، لكنه يكبر غداً .

سقط المعلم أمام طلابه ، ليس كأي سقوط ، بل كحكاية تُروى طويلاً . ربما لم يستوعب أولئك الطلاب في اللحظة ما الذي حدث ، لكنهم حتماً سيكبرون وهم يحملون صورة مختلفة عن معنى ” المعلم ” . سيعرفون أن هناك من يعطي حتى آخر لحظة ، وأن بعض المهن لا تُغادر أصحابها حتى لو غادروها جساً .

المواقف المفاجئة لا تمنحنا وقتاً للتأمل ، لكنها تترك فينا أثراً أطول من كل التأملات . هذا المشهد ، بكل ما فيه من ألم ، يضعنا أمام أسئلة بسيطة : كم منّا يؤدي عمله بهذه الروح ؟ وكم منّا يمرّ على يومه دون أن يترك أثراً ؟ وكم يعطينا درساً بأن الموت قد يأتيننا بغتة ؟ .

رحل مؤيد الصفار دون أن نعرفه أو يعرفنا ، لكن قصة رحيله لم تنتهِ . بقيت مفتوحة في ذاكرة طلابه ، وفي وجدان كل من سمع القصة . فهناك دروس تُشرح بالكلمات ، وأخرى تُكتب بالمواقف … وهذه من النوع الذي لا يُنسى . رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته . ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات