جزيرة سُقطرى.. تاريخ ثرّ، وجمال جمّ
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
جزيرة سُقطرى تاريخٌ ثرّ، أي غزير، وجمالٌ جمّ بمعنى فائق، وهي كذلك؛ تحسبها عروسًا في بطن كهف، أو لؤلؤة أطبقت عليها صدفة. أمثولة هي في القِدم وأقوال الأساطير، مثل بعض ما يُروى عن العنقاء، وهو طائر أكبر من النسر، ومذكور أيضًا في قصص ألف ليلة وليلة ومغامرات السندباد؛ أنه بنى عشه في جزيرة سُقطرى من عيدان القرفة، وفرشه بالهيل والقرنفل والزعفران.
وأيضًا تاريخيًا أن اسم سُقطرى معروف في التجارة عبر طريق البخور، حيث دخونها تختلط مع شعائر وقداس معابد شعوب قديمة.
سُقطرى هي جزيرة يمنية تتشامخ في تصنيف متفرد في منظمة التراث العالمي (اليونسكو)، كأحد أهم مواقع التراث العالمي عام 2003م، وبالمثل قالت مجلة نيويورك تايمز عام 2010م.
وتُعتبر سُقطرى جوهر أرخبيل يُعرف باسمها، ومنها تتناثر جزر صغرى: سمحة، ودرسة، وعبد الكوري، والصابونية، وكعل فرعون، وكلها في بحر العرب، يرتمي بالمحيط الهندي، ومنها ترمق ساحل ورأس فرتك بالمهرة، بعيدًا عن القرن الإفريقي بحوالي 380 كم. وتبلغ مساحة الأرخبيل 3798 كم²، حيث جزيرة سقطرى وحدها 3650 كم²، بطول 120 كم، وعرض 40 كم.
وتمتاز الجزيرة بمناخ بحري حار يعتدل نسبيًا في المرتفعات. وهي ذات أهمية استراتيجية في الساحل الجنوبي للجزيرة العربية أمام مدينة المكلا شرق خليج عدن، حيث نقطة التقاء المحيط الهندي ببحر العرب، وكذلك إلى الشرق من القرن الإفريقي. وما يميز سُقطرى أيضًا أن فيها أكثر من 850 نوعًا من النباتات، منها 293 نوعًا مستوطنًا ونادرًا تنفرد به سقطرى عن باقي مناطق العالم، وبالمثل تجد حيوانات وحشرات وطيورًا وأحياء بحرية نادرة تم رصدها من قبل برنامج الإنسان والمحيط الحيوي التابع لمنظمة اليونسكو.
يذكر كتاب “لمحات من تاريخ جزيرة سُقطرى” للمؤرخ عبد القادر بامطرف أن سكان سُقطرى الأوائل هم من العرب، والمرجّح أنهم من ظفار والمهرة وحضرموت، ويشير إلى أنه عُثر على نقش سبئي في بلدة قلنسية، إحدى الموانئ الساحلية المهمة في الجزيرة. أما اللغة السُقطرية فهي قريبة الشبه، من حيث المفردات والتراكيب اللغوية، باللغة المهرية، وبلغات قبائل القَرَا والشَّحارة التي تسكن إقليم ظفار المجاور للإقليمين المهري والحضرمي، وهما المنطقتان الجنوبيتان من بلاد العرب المقابلتان لجزيرة سُقطرى. وهناك شبه كبير بين ملامح البدوي السُقطري وملامح البدوي المهري والظفاري والحضرمي، بما في ذلك لباسهم وعاداتهم وتقاليدهم، والتحية عندهم فيها ملامسة بأرنبات الأنوف واحتكاك صفحات الخدود.
أما مسمى سُقطرى في مرويات المؤرخين فهو أن لفظ الجزيرة فيه كلمتان: سوق وقطرة، وهذا يحكي أن الجزيرة كانت سوقًا فيه منتج على شكل قطرة: اللبان، وشجرة دم الأخوين، والصبر. وآخرون يقولون إن اسم سُقطرى ينتمي إلى لغة سنسكريتية، أي كلمتي ديفيا سوكترا، وتعني جزيرة السرور والبهجة والمتعة، ومأوى النعيم ومنزل الخلود. ورواية ثالثة تقول إن اسم سُقطرى مشتق من كلمة ديو سكرايدا، والظن أنه تحريف للاسم اليمني سكرد. إلا أن ترجيح الباحثين يميل إلى أن تسمية سُقطرى مشتقة من عبارة سوق القطرة أو سوق القاطرة، وكذلك لما يميز الجزيرة من شجر اللبان والمرّ والصبر ودم الأخوين، وما هو مذكور في أساطير إغريقية وفرعونية وفارسية وهندية، وهؤلاء غزوا الجزيرة في تاريخ قديم، ثم بعدهم بأزمان استعمرها البرتغاليون والإنجليز. وكان دافع الغزاة موقع مرافئ الجزيرة تجاريًا وعسكريًا، وكذلك ندرة وكنوز أرضها.
التاريخ يروي أن بريطانيا، ضمن فترة استعمارها، اهتمت بما وجدته في أرض هذه الجزيرة؛ حيث تولى وليم بيري، وهو ضابط بحرية إنجليزي، جمع عديد من الأنواع النباتية من الجزيرة، وأُرسلت إلى معشبة الحدائق الملكية في بريطانيا. وكذلك فعل عالم النباتات البريطاني بلفور، الذي زار الجزيرة عام 1880م، وأخذ 500 نوع نباتي، وصنفها وحفظها في معشبة (كيو)، واعتُبرت في تصنيفها جديدة في علم النباتات حينها.
أحد الأشجار في سُقطرى تثير الدهشة، ونادر منظرها على سفوح الجبال، وهي تشبه مظلة مقلوبة، وطولها بضعة أمتار، وتسمى شجرة دم الأخوين. قيل عنها في أسطورة محكية إن قابيل قتل أخاه هابيل عند شجرة عملاقة ضخمة تنبت في جزيرة سُقطرى، وجراء قتله تدفقت دماء هابيل المقتول بغزارة، وغاصت الدماء في أعماق جذور الشجرة، التي صارت أغصانها وأوراقها الخضراء إلى اللون الأحمر القاني، وكان يفوح منها رائحة من دم هابيل الذي عطّر سهول الجزيرة ووديانها وهضابها وجبالها. ولهذا كان أهل الجزيرة قديمًا يفتقون شقوقًا في ساق تلك الشجرة ليخرج سائل لزج أحمر، يُترك حتى يجف ثم يُجمع ويُستعمل كعلاج ودهون للجسم وبخور، ويُصدر كذلك ضمن تجارة التوابل.
والمتتبع لماضي الجزيرة، فيما يقوله المؤرخون، أن سُقطرى استُخدم موقعها كأحد أماكن نشر المسيحية، يؤكد ذلك الدكتور العراقي جواد علي (ت 1984م):
“كان المبشرون ينتقلون مع البحارة لنشر النصرانية، وقد تمكنوا بمعونة الحكومة البيزنطية من تأسيس جملة كنائس على سواحل جزيرة العرب، وفي سُقطرى والهند، وصارت ظفار في سنة 356م مقرًا لرئيس أساقفة يشرف على شؤون نصارى نجران وهرمز وسُقطرى.”
جزيرة سُقطرى، لمن عرفها، كأنها تختبئ في تلافيف التاريخ القديم، وفيها هيبة استفراد عابر للأجيال؛ اشتهرت وما ضمرت، جاذبة ساكنة، ولا غرو أن قال عنها ضابط الجيش البريطاني هارولد يعقوب في كتابه ملوك الجزيرة العربية:
“هذا المكان المعزول يُعتبر بحق مكانًا مفرحًا جدًا وسارًا للغاية، فهو غني بالبهجة والانشراح، وإنني أتمنى من كل قلبي لو أستطيع أن أقضي فيه بقية حياتي.”
هي كذلك أرجوزة تُعبر عن نفسها: أني ملاعب جنة، لو مرّ فيها سليمان لسار بترجمان.
التالي بعض المصادر لمن يدفعه مزيد شغف عن سُقطرى:
لمحات من تاريخ جزيرة سقطرى – محمد عبد القادر بامطرف
البحر الأحمر والجزر اليمنية: تاريخ وقضية – سيد مصطفى سالم
في التراث الشعبي اليمني – حسين سالم باصديق
تجارة المحيط الهندي في عصر السيادة الإسلامية – شوقي عبد القوي عثمان.