بين الأدب وقلة الأدب
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
من حق عشّاق الأدب ومحترمي الأدباء أن يعتبوا عليّ لاختيار هذا العنوان ، فالفرق بين الأدب وقلّته كالفرق بين الحق والباطل . ولم يكن يخطر ببالي أن أربط بين الأمرين ، لولا أن الباطل ـ وللأسف ـ لم يعد يزاحم الحق فحسب ، بل بدأ يطغى عليه علناً ، وبلا مواربة .
وقبل الدخول في جوهر هذه المقارنة ، لا بد من التذكير بأن دولتنا ـ أعزها الله ـ ممثَّلة بوزارة الثقافة ووزارة الإعلام والأندية الأدبية ، ومعها نخبة المجتمع السعودي ، تنظر إلى الأدب والأدباء نظرة احترام وتقدير لا جدال فيها . غير أن تعليقاً عابراً سمعته من أحد الأدباء يقول أن الأدب لا يُؤكَل عيش ، كان كفيلاً بفتح باب التأمل في هذه العبارة الموجعة .
فالأدب ، رغم رمزيته وقيمته ، يعاني اليوم من جفاء شريحة واسعة من المجتمع ، بينما يدفع الأديب الثمن مضاعفاً ، ضعف في المردود المادي ، وغياب للمردود الاعتباري ، وكأن الإبداع ترف لا يستحق صاحبه حياة كريمة .
وفي الجهة المقابلة ، نشهد ظاهرة لا يمكن تجاهلها .. تافهون يتحولون إلى نجوم ، يُشار إليهم بالبنان ، لا لعمق ما يقدمون ، بل لسذاجته . فكلما ازدادت تفاهتهم ، وكلما تجاوزت تصرفاتهم حدود أدب وأدبيات المجتمع ، ارتفعت أسهمهم أكثر . وحتى نسمّي الأشياء بمسمياتها ، كلما اتسعت قلة أدبهم .
صحيح أن أي مقارنة تحتاج إلى معيار واحد ، وصحيح أن معيار تقييم الأدب والأدباء لا يمكن أن يستوي مع تقييم هؤلاء ، لكن الصحيح أيضاً أن الاعتراف بوجود خلل في معايير المجتمعات العربية ، بات أمراً لا مفر منه . فالمشكلة ليست في غياب الأدب ، بل في تراجع وزنه أمام ضجيج التفاهة .
ومتى ما اتفقنا على هذه الحقيقة ، تصبح الحلول ممكنة لا مستحيلة … تأسيس صناديق دعم رسمية للأدباء ، وضع آليات عادلة لعقود النشر، تخصيص جوائز سنوية معتبرة ، تعزيز حضور الأدباء في المدارس الثانوية والجامعات ، وتحويل بعض الأعمال الأدبية إلى مسلسلات تلفزيونية أو أفلام سينمائية تحفظ حق الكاتب وتمنح النص حياة أوسع . فالأدب قد يمرض ، لكنه لا يموت . والأديب قد يُهمش ، لكنه لا يُلغى . ولكم تحياتي