قلوب مكسورة

محمد البكر

القصائد ليست نصوصاً تُقرأ ثم تُطوى ، بل مساحات نعيش فيها من جديد . بيت شعري واحد قد يوقظ مدينة كاملة من الذكريات ، وقد يلمس جرحاً اعتقدنا أنه التأم . نحن لا نقترب من القصيدة لأنها متقنة الوزن والقافية فحسب، بل لأنها تقول نيابة عنا ما لم نستطع قوله ، وتمنحنا شجاعة الاعتراف بما نخفيه خلف ابتساماتنا اليومية .

في الشعر العربي أمثلة كثيرة على قصائد صارت حكايات خالدة ، مثل قصيدة «أغداً ألقاك» وغيرها من القصائد التي غنّتها أم كلثوم ، حيث يتحول النص إلى عمرٍ عاطفي كامل . ومع ذلك ، اخترت أن أقف عند ثلاث قصائد من بيئتنا ومجتمعنا ، لأنها الأقرب إلى وجداننا وتفاصيل حياتنا اليومية.

في «الأماكن» — المنسوبة إلى الشاعر منصور الشادي وغناها محمد عبده — لا يحضر المكان كبقعة جغرافية فقط ، بل كذاكرة كاملة . الأماكن هنا وجوه مرّت ، وضحكات انطفأت ، وحديث كان يمكن أن يكتمل ولم يفعل .

أما «المسافر راح » للأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن يرحمه الله والتي غناها راشد الماجد ، فهي حكاية الغياب حين يصبح قدراً لا يُفكّ . المسافر لا يرحل وحده ، بل يأخذ معه شيئاً من أرواحنا ويترك الأسئلة معلّقة في الطرقات .

وفي «حزين من الشتا يا طير» للشاعر مساعد الرشيدي وغنتها أحلام ، لا يكون الشتاء فصلًا فقط ، بل حالة نفسية كاملة .

الطير هو الإنسان حين يبرد قلبه من الداخل ، فيبحث عن دفءٍ لا يعرف الطريق إليه . هذه القصائد لا تُحزننا كونها حزينة ، بل لأنها صادقة . نرى أنفسنا بين أبياتها ، ونشعر أننا جزء من حكاياتها . لذلك تبقى القصيدة حيّة، لأنها لا تروي قصة الشاعر فقط… بل قصة كل واحدٍ فينا .
ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات