جسور بين الإكرام والكرامة

مع لحظات الفرح والسعادة وأنا أرى ابنتي ترتدي عباءة التخرج من المرحلة الثانوية تعود بي الذكريات، لذلك اليوم الذي حُفر في ذاكرتي حين عادت من مدرستها وهي ابنة السبع سنوات تبكي وتسألني ” ماما أنا يتيمة ” سألتها لماذا؟ قالت: حين أردت دخول الفصل بدأت نظرات الطالبات تلتف حولي والهدوء يعم الفصل إلاّ من همسات بعضهن لبعض وهن يشرن إليّ “تراها يتيمة” لأن المعلمة اجتهادا منها أخبرتهن بذلك قبل دخولها الفصل. ومنذ ذلك اليوم وهي تصارع تنمر من نوع خاص وصاية تزيد الجراح في قلبها الصغير وتؤلمها بدون أن تفهم لها سببا وتشعرها بالخوف الدائم حين يتوجس زميلاتها أن يذكرن أمامها قصصا مع آبائهن ويسألنها وأنت أين أبوك؟!! وأتذكر أني واجهت هذا الأمر مع أخيها مع عودته للمدرسة بعد وفاة أبيه وهو ابن التسع سنوات وأنا أجهزه للمدرسة فأبدى رغبته بعدم الذهاب وهو يقول: كيف سأجيب زملائي عندما يسألوني: أبوك مات؟!! فكان عزائي له بالكثير من القصص التي تُعدد له نماذجا من الأيتام وأولهم رسول الله صلى عليه وسلم يتيم الأب والأم.  وغيرها من المواقف التي كانا يعودان محملان بها من المدرسة. أدركت من خلالها أن إحساس اليتم عند الأطفال له أبعادا أكبر من أن تحتويها بعض الاجتهادات وأن بعضها للأسف قد يسيء من حيث يحسن في عدم إدراك حساسية الموقف في نفس الطفل اليتيم. هذه الفئة من الأطفال التي أوصانا بها رسول الله حين تعتري أنفسنا القسوة وتتخشب مشاعرنا بأن نهرع إلى رأس اليتيم ونمسح عليه بقوله صلّى الله عليه وسلم ” إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم” فالوصيّة لنا والتشريف لليتيم. فمعلوم أن اليتيم من فقد أحد والديه أو كليهما وهو في مرحلة الطفولة إلى أن يبلغ رشده. يمُّر بمشاعر الفقد دون أن يفهمها فكانت إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسح على رأسه وما تحمله من إشارات نفسيّة عميقة وآثارا إيجابية تعزز إحساس الآمان، وتزرع الثقة فيه.. فمسؤوليّة التعامل مع الطفل اليتيم كبيرة بغض النظر عن حالة أسرته الماديّة أو مكانتها الاجتماعية وأهليّه من يرعاه.، وأن من أهم الأشياء التي تقدم لليتيم الرعايّة والاهتمام وكفالة شؤونه وعدم تعريضه للإهانة بعطف وشفقة متكلفة، أو سوء معاملة، أو تعنيف، أو إشعاره أنه أقل من أقرانه، وأن يُحرص على خصوصيته وخصوصيّة أسرته. وهو ما يجب أن يُركز عليه من قبل المؤسسات والجمعيّات التي تعنى برعاية الأيتام. فالرعاية ليست قائمة على توفير لقمة العيش لهذا اليتيم فقط. إنما الاهتمام به في جميع حالاته النفسية والصحيّة والأسريّة والاجتماعيّة والتعليميّة والماليّة وكل ما يكفل كرامة الطفل إلى أن يبلغ أشدّه ويصبح قادرا على القيام بشؤونه بنفسه.  وأن ننتبه من بعض الممارسات التي قد تسبب إيذاءً نفسيا للطفل تنعكس سلبا على حياته في المستقبل على شكل ندب لا يشفى منها، ويشعر معها بأن اليتم وصمة يوصم بها، وتجعله مختلفا عن أقرانه وخصوصا في زمن أصبح التوثيق بالصورة وظهور المحسن هو الهدف والضحيّة رأس اليتيم!!! فالتركيز على نوعيّة الكفالة والرعايّة المقدمة وطرق التوجيه والاهتمام سواء في المدارس أو الأسر أو غيرها. أهم من إظهار صورة طفل على بوستر جمعيّة وهو يحمل حقيبة أو يستلم وجبة. وكذلك التعاون مع مختصين في كل ما يدعم تنشئة اليتيم تنشئة صحيحة، وإيجاد جهات متخصصة ترعى أمواله وتنميّها، وأن تكون هناك دراسات بحثيّة ومراكز خاصة تبحث أفضل الطرق في منح الطفل اليتيم الكفالة المناسبة ويكون شعارها إكرام للكرامة.

غادة الوعلان

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *