خربشة ومغزى

“الحُكْمُ على الشَّيءِ فَرْعٌ عن تَصَوُّرِهِ”

أحمد بن عبدالله الحسين

الحُكْمُ على الشَّيءِ فَرْعٌ عن تَصَوُّرِهِ، هذه مقولة وقاعدة تعتبر إحدى نجائب التفكير الذي خلدها تُراثنا العظيم. برزت في علم الفقه وأصوله وتكاد تكون قاعدة جليلة ترتب موازين العقل في الحكم على الأشياء والنوازل في معترك الحياة.

التصور
مفهومه في هذه القاعدة هو حصول صورة الشيء في العقل، وليس المقصود بها التصور فقط لأن مجرد التصوُّر الذهني عن الشيء قد يكون فيه علما وافيا، وقد لا يكون لأن هنالك تصور غير مكتمل كاذب.

لذا يجب
بلوغ التصور العلمي الدقيق عن الشيء، وهو ما ينضبط به الذهنَ والفكر ومعرفة ماهيّته وهذا يحتاج الكثير.

أما الحكم على الشيء
المقصود هو إصدار الحكم الذي يستوفي الحقيقة والواقع، ويكون الحكم هنا نتيجة عن التصور بل يكون فرع من التصور والأحكام مطابقة على معرفة الصورة.

القرآن الكريم
له في هذا المعنى كثير آيات منها حديث سيدنا الخضر مع موسى عليه السلام في سورة الكهف، حينما خاطب الخضر موسى”وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا”، تشير إلى توصية الخضر الى موسى في التأنِّي والتثبُّت، وعدم المبادرة في الحكم على الشيء حتى يعرفَ ما يُراد منه وما هو المقصود في ذلك الشيء.

أما الإشارة الثانية
في القرآن تضمنتها سورة الإسراء ” وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ “؛ حيث يدخل في معناها لا تحكم على شيء قبل معرفة ماهيَّتِه. وأن الأمر الذي لا تعلمُه ولا تتصوَّرُه ولا تكون على بينه منه فإيَّاك أن تتكلم فيه. والآفة التي يقع فيها الإنسان قوله رأيتُ ولم يَرَ وسمعتُ ولم يسمع وعلمت ولم يعلم ويدخل فيه كلُّ قول بلا علم والغضب أحيانا يستدعي كلّ ذلك.

العاقل
إذا أراد أن يتكلَّم أو يكتب أو ينقل عن الحكم على الشيء فليُفكِّر قبلَ كلامِه، فإن عَلِم أنه يدرك هذا الشيء ويتصورُه على ما هو عليه فليَتكلَّمْ . وإن كان لا يعلمُ حقيقةَ هذا الشيء فليُمسِكْ عن الكلام، لأن السلامة في السكوت. وكلما بلغ الانسان مدارج النضج تأمل عند التكلم بماذا تكلم وما هي عائدتُه، وتأمل عند سؤال السائل كيف تفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمل وجهين. وهكذا لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره.

الخلل
في الحكم سببُه عدمُ تصوُّرِ الشيء على ما هو عليه أو التعجل في إصدار الحكم. وهذا نقص البشري سواء في الماضي أو الحاضر. وما أكثر ما يمتليء به حاضرنا بتسطيح واسع لمصطلحات وأفكار ومعتقدات وتحليل نوازل واصطفاف وتنزيه وتخوين تحتاج تبين وتصور صحيح.

التعميم
أحد آفات الحكم على الشيء حين يطال مجموعة بشر أو جغرافيه أو حتى أزمان.
الانجرار للتعميم أحد أسبابه هو اعتماد الصورة النمطية التي يتوارثها الناس وهذا فيه قلة دراية. وبهذا يكون الحكم على شيء مخصوص من قول او فعلُ دون تعميم فيه سلامه وإبراء ذمة.

الحكم على الشيء
يتطلب فهم الواقع وملابساته والقرائن التي تحيط به وتوثيقها، والبعد عن أي اجتزاء ناقص يُخفي واقع الحدث حتى يتم معرفة أسبابه ، وكيفيه حصوله ودوافعه. سيما إذا كان هنالك دوائر كيد أو أدعياء همهم بث الْفِتَن والشقاق والفرقه والاستعداء. وبالمثل يكون في حال الكتابة التي فيها التقاط عبارات من سياقها بُغية طمس تسلسل العبارات حتى يمنع الإحاطة بمقصدها. وبالطبع كلُّ ذلك مع الفطنة مطلوب، وتمييز الخبيث من الطيب نضج يتأتى مع ورع وفهم دونما انجرار بتمويه أو مُلاينات لمن لا خير فيهم.

أحيانا
ما تقيسه أنه جيد عند غيرك ليس كذلك وهذا في الأمور التي تحتمل اختلاف التقييم لتنوع زوايا الفهم.

الحكم على الأمور
يحتاج موضوعية وحيادية بل تبصر واتزان غرائزي ويبقى الصمت حكمه وقليل فاعله.

ختاما
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *