الرأي

عندما تتجسد الفطرة في إنسان “البروفسور تشارلز دينيز”

د. طلال المغربي

أكاديمي ومستشار في التسويق الاستراتيجي

هناك شخصيات ملهمة ترغب في معرفة المزيد عنها لكن الظروف حينها لا تساعدك ويبقى أثرها معك طوال فترة حياتك. بعد عودتي من الولايات المتحدة الامريكية عام 2002م وقضاء عشره (10) سنوات لدراسة درجات علمية مختلفة انتهت بالحصول على الماجستير MBA، كنت أبحث عن قبول لإكمال درجة الدكتوراة وهذه المرة لتغير البوصلة من أمريكا الى بريطانيا. قبول الدكتوراة ليس سهلا يأخذ الكثير من الوقت والجهد والبحث وإعداد فكرة مشروع البحث العلمي وعلاقتك بالمشرف ليس مثل أي مادة علمية تنتهي علاقتك بمدرس المادة بعد فصل دراسي، بل هي علاقة أكاديمية علمية بحثية طويلة تزيد عن أربع سنوات. لذا الوصول لمشرف مميز يجمع بين التميز العلمي والعلاقات المميزة لدعم الباحث من اهم أعمدة الاختيار.

تواصلت مع عدة جامعات بريطانية بداية من عام 2003م. وكانت أغلب المراسلات مع الجامعات عن طريق البريد الإلكرتوني حتى وصلني إيميل يفيد برغبة مشرفين محتملين من جامعة برونيل غرب لندن بالتواصل معي تلفونيا لعمل مقابلة تحدد إمكانية القبول في جامعتهم. كنت خائف من المقابلة التي كانت مع الدكتور تشارلز دينيز Charles Dennis، والدكتورة ليزا هارس Lisa Harris – لو لا هذا القائد الذي من أول اتصال جعلني أشعر بأني أمام شخصية لطيفة ذات احترام كبير. رغم حصولي على عدة قبولات من جامعات خارج لندن – وقع اختياري على الدكتور تشارلز دينيز وهنا تبدأ الحكاية في معرفة شخصية عظيمة.

سافرت إلى لندن صيف 2005م لبداية رحلة جديدة ولم أكن أعرف عن المشرف القادم الدكتور تشارلز دينيز معلومات كافية. وعند اللقاء وجدت نفسي أمام شخصية كما يقال بالعامية White British رجل بريطاني تقليدي بسيط في مكتب صغير تحيط به الكتب والأوراق والأبحاث من كل جانب يعبر عن الحياة في لندن بصغر مساحة بيوتها ومكاتبها، يلبس تي شيرت وشورت فلم استوعب حينها أين غطرسة وأناقة الدكاترة التي كنا نراها في “بعض” من درسنا معهم في جامعات أمريكا وولاياتها المختلفة.

رحب بي في استقبال لطيف وعرفني على الطلاب الذين يشرف عليهم فكان جميلا أني تعرفت على طالب سعودي يشرف عليه وآخر من دولة مصر الشقيقة وكان على نهاية الدكتوراة وينتظر المناقشة. تعرفي على طالب الدكتوراة السعودي الذي يشرف عليه الدكتور تشارلز حينها د. بندر السجان جعلني أرتاح قليلا لأن مشرفي سوف يكون لدية فكرة عن عاداتنا وتقاليدنا وساعدني ذلك في معرفة أعمق عن فكر وتعامل الدكتور تشارلز مع طلابه تحت إشرافه.

خلال رحلة أربع سنوات وهي رحلة الحصول على الدكتوراة كنت مع شخصية نادرة جدا، وقلما تجد لها مثيلا في صفاته الشخصية. تشارلز شخص بسيط جدا وصادق جدا بشكل يندر وجوده وحدوثه، لم أسمعه يكذب أو يغتاب طالب أو صديق، لا يدخل في أي مهاترات وتحزبات أو لوبيات داخل وخارج بيئة العمل. ورغم استمرار علاقتنا خلال رحلة الدكتوراة وهي مليئة بالدعم منه لطلابه كنت أراقب سلوكه وتعامله بل وحتى طريقة أكله العجيبة ولكن لم أتجرأ على سؤاله عن أي أمور شخصية خارج نطاق احترام العلاقة العلمية والبحث العلمي بين طالب ومشرف.

بعد انتهاء رحلة الدكتوراة بنجاح عام 2010م، استمرت العلاقة المميزة وبشكل أكبر مع تشارلز وكنت أرغب في معرفة شيء من حياته الخاصة التي صنعت شخصيته وصفاته.

لا تخلو بيئة الأعمال من التغيرات الإدارية والتحزبات ويكون للعلاقات الشخصية دور في الترقيات الوظيفية وهذا حال أغلب المجتمعات والدول لا تفرق إن كانت عربية أو أجنبية. بدأت موجة تغير بالجامعة والكلية فانقسمت الكلية بين أعضائها القدماء والقادمين من الخارج وبدأت التحزبات وبدل أن يكون تشارلز جزءا منها وهو من الأكاديميين المعروفين على مستوى قارة أوروبا بأبحاثه المميزة وإنجازاته العلمية واستشاراته العملية في مجالات علم التسويق وتسويق المدن وبناء الصورة الذهنية للدول والتسويق الإلكتروني والتجارة الالكترونية وسلوك المستهلك وقطاع التجزئة، اختار الدكتور أن لا يتنازل عن قيمه وأخلاقه والانتقال بعيدا لمدينة وجامعة لينكولن شمال بريطانيا.

في عام 2011م تم اختيار جامعة لينكولن لعقد مؤتمر سنوي عن تسويق الدول يعقد كل عام في جامعة فكانت فرصة مناسبة لي للتقديم للمشاركة بورقة علمية في تسويق السعودية وفرصة للالتقاء بالخبراء والمختصين حول العالم في هذا المجال المهم، والالتقاء عن قرب بالبروفسور تشارلز بعد ترقيته بعيدا عن الرسميات السابقة وكانت أول فرصة للقاء زوجته ماري.

كانت فرصة لقضاء يوم في المدينة وأخذ رحلة نهرية مع المشاركين في المؤتمر وسؤال البرفسور تشارلز لأول مره سؤال شخصي عن انتقاله لمدينة جديدة وتركة لجامعته التي تخرج منها وعمل فيها فتره طويلة وترك منزله الفاخر على نهر في لندن. فكان جوابه “أنا عشت حياة صعبة بعد الحرب العالمية الثانية ومن ثم العمل والدراسة والحصول على الدكتوراة وبنيت سمعة كبيرة في الأبحاث العلمية والحياة لا تستحق النزاعات والأحقاد والغدر والكذب، بل العمل وترك الأثر ودوري هو إنتاج الأبحاث العلمية وتعليم الطلاب والإشراف على الباحثين وطلاب الدراسات العليا من مختلف دول العالم – بالإضافة الى الاستمتاع بالوقت العائلي مع زوجتي وممارسة الرياضة وركوب القوارب والقوارب الشراعية”.

خلال وبعد دراسة الدكتوراة واستمرار علاقتي مع الإنسان تشارلز دينيز كنت ألاحظ طريقة غريبة عجيبة ومميزه في أسلوب أكله وشربه للشاي الإنجليزي. طبعا لم أسأله سابقا لكن الآن كصديق بإمكاني سؤاله ومعرفة المزيد. كنا في مطعم وكما هي عادته يطلب أكل بسيط ويعشق الحلى وشرب الشاهي. عندما يأكل لابد أن ينهي كل ما في الصحن ولا يترك له أثر. وعندما يشرب الشاي يقوم بعصر كيس الشاي في أول كوب مركز ويترك الكيس في كوب آخر ومن ثم يضيف ماء حار ويعصر الكيس لآخر قطره بعفوية. يأكل الحلى الخاص به وإذا بقي شيء منه يضعه في منديل ويضعه في الشنطة التي دائم على ظهره ولا يخجل. توقعت أنه بخل منه لكن مستحيل وهو الذي يملك منزلا جميلا وقاربا يجوب به أنهار بريطانيا ويتنقل حول العالم ليمارس رياضة القوارب الشراعية ويقدم الاستشارات العملية لأكبر الشركات.

إذا لماذا؟ فكان جوابة أنه عاصر الحرب العالمية الثانية بما فيها من ألم وفقر فكان جيله يبحث عن الطعام وقطع الخبز ليحتفظ بها لمدة أسبوع يأكل منها القليل ثم القليل خوفا من الجوع. عاش وحيدا وعمل في المصانع بحثا عن الرزق. لحظات الألم والفقر في بداية حياته كانت معه وشكلت شخصيته البسيطة والزاهدة والنظيفة محملة بالأدب والتواضع والبعد عن عباءة الكبر والغرور والعلو الاجتماعي.

خلال فترة وجوده بجامعة لينكولن انتقل تشارلز إلى جامعة أخرى وسط لندن ومع بداية الانتقال تعرضت زوجته ورفيقة حياته ورحلاته لمرض في الرئة جعلها على الكرسي المتحرك وصديقة دائمة للأكسجين لسنوات. لم يتركها تعاني وحيدة ويتركها للخدم أو دور المسنين وهي في شمال بريطانيا وهو في جامعته الجديدة وسط لندن، بل قرر تغيير وظيفته من دوام كامل وتدريس إلى دوام كامل لكن يتمحور حول الأبحاث العلمية والإشراف على طلاب الدراسات العليا وبالتالي ينتقل الى لندن يوم واحد في الأسبوع ليكون طوال الأيام مع زوجته ماري.

استمر تشارلز في وفائه لزوجته لأكثر من أربع سنوات. كانت اتصالاتنا مستمرة ولقاءاتنا متفرقة خلال تواجده في لندن وسؤالي الدائم عن صحة زوجته والدعاء لها بالشفاء، حتى وصلني منه إيميل في نهاية عام 2019م يفيدني بأن زوجته ماري توفت بسلام في منزلها وسط أحبابها من أهلها. اتصلت عليه مباشرة وأبلغته برغبة السفر لأكون قريب منه لأنه يحتاج الدعم المعنوي حينها فطلب مني عدم السفر وان أدعو لها وأن مراسم العزاء سوف تكون بسيطة عائلية ولا يرغب بأن أرى الحزن والألم في تلك اللحظات. عدت إلى إيميله الذي يخبرني بوفاة زوجته فوجدت تفاصيل جميلة عن زوجته ويطلب منا في حال وجود أي صور لزوجته أن نشارك الصور واللحظات الجميلة السابقة مع عائلة ماري، ومن يرغب في كتابة كلمات خاصة لزوجته أن يرسلها، والأهم كان طلبه وطلب زوجته بأن كل من يرغب في شراء ورد للفقيدة أو كرت عزاء أن يتبرع بقيمته للجمعيات الخيرية وحدد اسم جمعيتين كانت زوجته تحب التبرع لها وهي جمعية تدعم الشباب والفتيات وحمايتهم من الانتحار وجمعية أخرى خاصة بدعم المشردين الفقراء في الشوارع Homeless.

جانب آخر من صفاته البرفسور تشارلز وتواضعه. كنت أعرف تعلقه بزوجته فرغبت مقابلته عند زيارته إلى لندن بعد وفاتها واتفقنا على اليوم والوقت ولسوء حظي حصل تأكيد لموعد مهم مع طبيبي في أحد المستشفيات فأبلغته عن إمكانية تأخير موعد اللقاء ولكن أفادني بأن لديه رحلة قطار للعودة لشمال بريطانيا وأصر على مرافقتي إلى المستشفى والاجتماع في أحد المقاهي داخلها. كنت في موقف محرج تقدير لمكانته ولأني ـعرف كبر سنه والوصول للمكان يحتاج تنوع في المواصلات من قطار ثم باص ثم سيرا على الأقدام للوصول لذلك المستشفى.

وصل تشارلز دينيز كما هي عادته في الوقت المحدد تماما. طلبنا القهوة والشاي الخاص به وطريقة إعداد الشاه الخاص به التي لا تتغير وكنت محضر له هديه خاصة قدمتها وقلت له “أنت إنسان عظيم”، عاش حياته بفطره سليمه محبه للخير والإنسانية والعطاء والعلم – ترك مئات الأبحاث العلمية والكتب والمشاركات في المؤتمرات حول العالم والإشراف على الكثير من طلاب الدراسات العليا واستخدمت أبحاثه كمرجع علمي Citations لأكثر من 70 ألف مرة، وتجنب الصراعات والغيبة والأحقاد خلف ظهره، ليتفرغ لطلابه وأبحاثه.

شكرا تشارلز– تعلمت منك الكثير فأنت قوة ناعمة وعلامة وطنية للعلم والعطاء، ومعنى أن تكون أكاديميا داخل الجامعات وقبلها أنت تشارلز الانسان تحمل بداخلك الكثير من القيم والأخلاق، وأنت الملهم والمحفز والقدوة والصديق. قال الإمام الشافعي: “ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نَفع”.

البروفسور تشارلز دينيز

رد واحد على “عندما تتجسد الفطرة في إنسان “البروفسور تشارلز دينيز””

  1. يقول د غادة عنقاوي:

    اعرف ما تتحدث عنه من البداية للنهاية. واعتز بتوقيعه تلي شهادة شكر املكها.
    مثلك السوبرفايزر تبعي اخذني تحت اجنحته لسبب ما ولا ادري لماذا سوى اني كنت مهتمة بالبحث في موضوع القيادة عام ٢٠٠٧ ولا انسى ذلك اللقاء والصعوبة التي عادة ما يجدها طالب سعودي للحصول على قبول مع ليس فقط دكتور وانما سير Sir وكانت هذه بداية رحلتي. قمة في الاخلاق والتواضع والتعامل الانساني والتفهم والتعاطف احيانا مع ظروف خاصة امر بها واحيانا مع دموع الانهزام في جانب من جوانب البحث وصعوباته. وشطرا لانك كتبت عنه، بقي تترجمه وتنشره في مجلة Higher Education ,عرفانا له بالجميل ليقراه من يعرفه. شكرا على المشاركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *