لايمكن أن نصف فتوى الشيخ عبدالرحمن البراك التي أطلقها بشأن تحريم الاختلاط في مجالات العمل والتعليم سوى أنها فتوى تحريضية ضد المجتمع ومؤسساته جميعها. فالفتوى التي نشرها عبر موقعه الالكتروني ليتم تداولها إعلامياً على نطاق واسع داخل السعودية وخارجها ذات مغزىً مقصود حين محاولة قراءتها في سياقها وزمنها الراهن.
هذه الفتوى تأتي في سياق موقف متطرف ومتشدد من الحراك التنموي الهائل الذي تشهده السعودية بقيادة الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله. فالمؤسسات العلمية الكبرى على غرار جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) تنطلق بطموحات علمية وتنظيمية استثنائية. والمدن الاقتصادية الضخمة يجري العمل فيها على قدم وساق لتحدث طفرة اقتصادية وتنموية نوعية.
ونحو 80 ألف مبتعث من الشباب والفتيات خلال الخمس سنوات الماضية، مع تمديد الإبتعاث خمسة أعوام أخرى؛ كل ذلك سيحدث تغيراً منشوداً باتجاه نهضة تنموية منتظرة، بإذن الله، في المجالات العلمية والتعليمية والاقتصادية والفكرية والحقوقية.
والفتوى وماتنطوي عليه من مفردات وأحكام غاية في التطرف تسعى إلى إرباك المجتمع ومؤسساته بالتشويش وخلق الفوضى على المسيرة التنموية التي يشترك فيها الإنسان السعودي اليوم رجالاً ونساءً.
تخيلوا حين يقرأ الأب والأخ والزوج، الذين تعمل نسائهم في تضميد أوجاع المرضى في مجالات الطب والتمريض أو في ميدان البحث العلمي، فتوى البراك وهو يتهمهم بكلمة يتقزز منها الكرام وهي "الدياثة"، بل يمضي إلى إخراجهم من دائرة الإسلام دين الله الذي ارتضوه!!. كيف هي المشاعر التي تختلج في صدورهم اليوم وهم يرون التطاول على أعراضهم واعتقادهم الديني؟!. ألم يوقع هؤلاء بالموافقة على عقود رسمية قبل أن تباشر نسائهم العمل في المستشفيات بناء على أنظمة الدولة؟.
من هي مرجعية الفرد (المواطن أو المقيم) في البلاد في مجالات العمل والتعليم؟. أليست الدولة بمؤسساتها الشرعية؟!. إذا كان الفرد متعاقداً مع الدولة عبر مؤسساتها الشرعية، فكيف يتم التجاوز على هذه التعاقدية بالطعن في عرضه ودينه بهذه البساطة، ثم يذهب إلى فراشه من قال بذلك لينام قرير العين بينما عشرات الآلاف من المواطنين يتجرعون الإهانة دون حماية؟!.
البراك يصدر حكماً متطرفاً بالتكفير وإهدار الدماء وقبل ذلك النيل من كرامة الإنسان في مسألة أقصى مايقال فيها إنها مسألة خلافية!!.
يقول وزير العدل السعودي الشيخ الدكتور محمد العيسى وهو أيضاً عضو في هيئة كبار العلماء " ولقد سمعنا جميعاً عن التوجس من الاختلاط، بحجة تطبيق مفاهيم الإسلام في صيانة المرأة، وحراسة فضيلتها، وعفافها، فكان من الأسف الخلط في هذا: «الاختلاط»، وهو ما لا يعرف في قاموس الشريعة الإسلامية إلا في أحكام محدودة - كمباحث الزكاة - المنبتة الصلة عن معنى هذا المصطلح الوافد، ليشمل في الطروحات المتأخرة ببدعة مصطلحية لا تعرف في مدونات أهل العلم، في سياق تداخل مصطلحها المحدث بمصطلح الخلوة المحرمة التي لا تجيزها فطرة أي مسلم له كرامة وشيمة، فضلاً عن احترامه لأحكام شريعته التي صانت الأعراض، ووضعت السياج المنيع، لأي سبيل قد تخترق هذه المُسلَّمة الإسلامية المتفق عليها " - جريدة الرياض 24 أكتوبر 2009 .
كان ذلك بالطبع قبل أربعة أشهر من فتوى البراك. لكن ذلك الحديث الذي أدلى به وزير العدل للجريدة جاء في سياق توضيح معمق ومفصل لمفهوم الاختلاط الذي تردد حوله الكثير في أعقاب افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في ثول. البعض يقول أن فتوى البراك المتأخرة أتت رداً على حديث وزير العدل الذي نفى حرمة الاختلاط في مجالات العمل بل وصفه بالمصطلح المحدث. لكن السؤال الذي يثور: لماذا أنتظر البراك 4 أشهر ليطلق هذا الكلام الخطير؟!. ومن المعني بالفتوى؟!. ومن سيتلقفها ويوظفها لغاياته؟!.
إذا أحسنا الظن بالبراك وقلنا هذا اجتهاده وقناعته الخاصة المستندة على مرجعيته الفكرية، فهل يَحسنُ إصدار مثل هذه الفتوى لعامة الناس وهم ليسوا القيّمون على المؤسسات التي يعمل فيها الرجال والنساء سوية؟!. لماذا لم ترسل الفتوى للمؤسسات المعنية بإقرار أنظمة العمل والجهات التشريعية والتنظيمية العليا دون نشرها على رؤوس الأشهاد؟!. سؤال آخر من ضمن أسئلة لاتتوقف: كيف سيتم التعامل مع هذه الفتوى التي تحمل تكفيراً وإهدار للدماء ونيل من الأعراض والتي تعدت على حق الدولة ومؤسساتها الشرعية ابتداءً؟!.
حمود الزيادي العتيبي
h_zyadi@hotmail.com