لي صديق يعمل موظفاً تربوياً محترماً في وزارة التربية والتعليم، ويتقاضى أجراً شهرياً يصل إلى 13 ألف ريال، هذا الصديق يتصل بي بين فترة وأخرى ليستدين مبالغ زهيدة تتراوح بين 200 و 500 ريال، وقبل أن تشكّوا في أن صديقي مدمن على المخدرات سأخبركم عن صديقي الثاني.
فصديقي الثاني يعمل موظفاً إدارياً مرموقاً في مستشفى حكوميّ نخبويّ، ويصل أجره الشهري إلى 15 ألف ريال، وهو كصديقي السابق يتحرّج في أحايين كثيرة من أن يطلبني 100 أو 200 ريال ليسدّ جوعه وأهله، أو يؤمّن حليب أطفاله.
قد يبدو غريباً أن يستدين أشخاص تتجاوز مداخيلهم الشهرية مبلغ 10 آلاف ريال، لكن واقع الحال أنّ صديقيّ النموذجين، وأعدّ عشرة أصدقاء مثلهم، واقعون تحت سياط الأقساط والبنوك.
بشكل عام، فعندما انفتحت بوابة جهنم الإقراض من البنوك، وأصبح التقسيط يستخدم حتى في مصاريف السفر، لم يتذكّر كثيرٌ من السعوديين مع إغراء السيولة النقدية السهلة في أياديهم المثل القائل: "مدّ رجليك على قدّ لحافك".
مدّ السعوديون ـ كظاهرة غير صحية ـ أرجلهم خارج ألحفتهم، وأصبحت ألحفتهم المالية لا تغطي إلا ما يستر عوراتهم، هذا إن بقيت لهم عورات مستورة، وأصبحت البنوك تستقطع من رواتبهم ولا تبقي ولا تذر إلا فتات الريالات، فصديقيّ السابقين ـ والعشرة الذين أعرفهم غيرهم ـ لا يتبقى من رواتبهم إلا ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف، لأنهم أصبحوا يطفئون النار بالبنزين، وأصبحوا يسددون ديونهم بديون جديدة، ويحلّون أزماتهم المالية بتأزيم مالي جديد.
وبينما يمنع النظام منعاً باتا استقطاع أكثر من ثلث راتب الموظف، فإن النظام نفسه لا يحمي المغفّلين، فبعد أن استغفلت البنوك وشركات التقسيط المواطنين وأوقعتهم في حبائل قروضها وفوائدها وأقساطها وبدأت تمصّ دمائهم وعرقهم ومداخيلهم، وقفت مؤسسة النقد صاحبة النظام الصريح تتفرّج على هذه المأساة الوطنية.
أجزم أن بين كلّ عشرة قرّاء لهذا المقال ثمانيّة متورّطون بهذه الطريقة، وأزعم أيضاً أن هناك أياد خفيّة في كلا الجهات ـ البنوك ومؤسسة النقد ـ مستفيدة من تعرية الناس وإهانتهم وربط حبال التسديد الشهريّ حول رقابهم، ومن يشتكي فسيجد أذنا من طين وأذنا من عجين، ورأساً من حجر.
بالأمس، وأنا أقف أمام جهاز الصرّاف الآلي لفت نظري إعلان ملصق على جهاز الصرّاف، ينص الإعلان على أن صاحبه لديه استعداد لتسديد الديون لدى البنوك، واستصدرا قروض جديدة للراغبين مقابل أقساط شهرية، أضحكني في الإعلان أنّه يؤكد أن هذا يتمّ حسب "الشريعة الإسلامية"، وكلّ ما أعتقده أنّ صاحب الإعلان يقصد بهذه العبارة أنّه سيأكل أموال الناس بالحلال !
نظرت إلى شخص خلفي، بدت على ملامحه تفاصيل رصيده المتهالك، تنحّيت جانباً وانتظرت قليلاً لأتأكد من خاطر خطر لي بأن هذا الضعيف سيتّصل بالرقم المدوّن أسفل الإعلان، ولم يكذب خاطري، فقد سحب من رصيده 100 ريال، ودوّن الرقم الموجود في الإعلان في جوّاله، ونظر لي مستحياً وغادر.
أردت أن ألحق به لأقول له: سأراهنك على 500 ريال بأن هذا الرقم هو لمدير فرع البنك الذي توقّفنا عنده، إن لم يكن لمسؤول في مؤسسة النقد.
أغلب السعوديين أغنياء، مداخيلهم عالية، ولكنّ دورة المال الخبيث أوقعتهم في شرّ متطلّباتهم، وشرّ البنوك، وشرّ صمم وتجاهل مؤسسة النقد لكلّ هذا الذي يحدث.
(إبراهيم الأفندي)