خربشة ومغزى

” عسير .. مرحبا ألف “

أحمد بن عبدالله الحسين

عسير أرض العراقة والطبيعة تضارع جمالها بشموخ الجبال، وسحر الشاطئ، وغموض الصحراء، ولطيف مناخ آسر يُطفئ حرارة الصيف، فتيلها ينداح ضوؤه عبر الأفق، يخطف سحره شطآن البيان، كحبات قطر ندى على اخضرار الورق.
أهلها مندوحة الوصف فيهم، إذا جئتهم حيوك ألفاً ورحبوا وهذا طبعُهم، وإن احتجبت عنهم فأنت نديم مُكرم، تتذكر منهم حسن وفادة لا تأفف معها.

تضاريس عسير
جبال شامخة مترامية الأطراف تنطرح فيها أودية ومسالك ملتوية وعرة، تتخلل شعابها وأكتاف أراضيها تربة خصبة، القرى فيها تفترش سفوح الجبال والوديان ويملؤها السكان. شمال عسير بلاد بللحمر و محائل، وجنوباً بلاد قحطان ودرب بني شعبه، وشرقاً بلاد شهران، وغرباً ساحل البحر الأحمر. ولهذا عسير تضم: قحطان، شهران، بللحمر، بللسمر ، بني شهر، بني عمر، بللقرن، شمران ، بارق، محائل، قنا والبحر، ويطلق على مجموعها اسم منطقة عسير وأبها قصبتها.

موقع عسير
رسمته الأطالس منذ القرن الثالث عشر، ويقع ما بين الحجاز واليمن ونجد والبحر الأحمر. الطائف ومكة تحده شمالاً وحتى حدود اليمن جنوباً بطول حوالي 750كم، ومن تخوم الربع الخالي شرقاً وحتى البحر الأحمر غرباً بطول حوالي 400 كم. وعسير جزءان هما: تهامة والسراة.

تهامة
ذات سهول ساحلية دافئة تمتد على طول البحر الأحمر من الليث شمالا حتى شواطئ بيشه جنوبا، وساحل البحر الأحمر غربا إلى جبال السروات في الشرق. تضم مدنها جازان وصبيا وبيش والدرب والشقيق وخميس البحر والحريضة والقحمه والبرك وعمق والصوالحه وحلي والقوز والقنفذه والمظيلف وماوان .

أما تهامة الجبلية
فتقع أسفل جبال السروات والأودية والشعاب المنحدرة منها باتجاه الغرب ومدنها الداير والفطيحه والشعبين والبتيله ومحائل وبارق والمجارده وسبت شمران والمخواة وقلوه ونمره .
تهامة لها آثير وصف فهي كليلّها لا حرْ ولا قرْ ولا مخافة ولا سآمة حتى يقول قائلهم:
أنتِ أرض (التهم) في بهجتها
قد حباك الله أوصاف الشهامهْ
أنت خصبٌ ونماءٌ أورقا
واقتنى الحبُّ حواليك خيامهْ
أنت نبضٌ في فؤادي دائمٌ
أنت صدرٌ في فضا الكون وهامهْ
قد ملئت الكون خيراً وسناً
وبقيت في ذرى الدنيا علامهْ

السراة
هضبة مرتفعة فوق جبال السروات شرقها تخوم صحراء الربع الخالي وفيها الشغوف أي الحجاز، وهو شريط ضيق من سلسلة جبال مرتفعه طويله من الشمال الى الجنوب وتطل على تهامه، وفيها تقع مدن أبها ، وخميس مشيط، وأحد رفيده، وسراة عبيده، والحرجه، وظهران الجنوب،وصبح ، واثنين بللسمر، وتنومه، والنماص، وسبت العلايا، وباشوت، وشرى، وبلجرشي، والباحه، والمندق .
كذلك السراة لها سهول شرقية وفيها المساحة الاكبر التي تضم وادي بن هشبل، والعرين، وطريب، والمضة، والصبيخة، وجاش، وخيبر، وبيشة، وتثليث، وتباله، والقوباء وتخترقها أودية أهمها بيشه وترج وتباله.
هكذا عسير تُذكي الشعر ليصدح:
أزكى تحيات الصوارم والقنا
تغشى عسير حواضرا وهضابا
ومدائناً، وقرى مبعثرة على
شمَ الجبال رفارفاً وشعاباً
قممٌ معلقةٌ يضيء سفوحها
وهج الكواكب في الدجى جذاباً
شعت بها أضواؤها وتلألأت
تسبي العيون وتخلب الألبابا

أهل عسير
لهم ثراء مجد أثيل تنوع بعبق توليفات المجتمع، وكأنهم يُحاكون مبانيهم المزدانة بتطاريزها على سفوح الجبال، وكذلك تقاليدهم وأعرافهم التي انسكبت في حضن الوديان، هم نقشوها على الجبال، وهم قدماء عبر الأزمان؛ حيث أخذوا من بيئتهم قوة ولينا، وبأسا وحنينا. لتجدهم حينا ضياغم وذئابا مع رهافة في الحس والشعر والوجدان. الفل والريحان زينة رؤوسهم ليبلغ شذاها لَبْس الجبابا، والخناجر فخر وهيبة لمظهرهم حينما تتمنطق حول خصورهم ، وما أكثر ما يُضيفون حيث قلوبهم مشرعة الأبواب، وجبالهم وسهولهم تنادي بالترحاب.

قبائل سراة عسير
تتشكل من قبائل ذات أصول مختلفة وكثرتها من أزد السراة وفيها عناصر من قحطان وشهران لما يرتبط بينهم من جوار وضرورات الاختلاط بالمصاهرة والولاء. وعسير أيضا فيها قبيلة بني مغيد وقبيلة علكم، ويقال لهم ولد أسلم وقبيلة ربيعة ورفيدة وقبيلة بني مالك؛ حيث تمتد منازلهم شرقاً إلى قبيلة شهران، وغرباً إلى منازل قبائل رجال ألمع ومشارف الجبال، وجنوباً إلى منازل قحطان وبعض من شهران، وشمالاً إلى منازل قبيلة بللحمر.

عسير في التاريخ
تُذكر أنها في العصر الجاهلي ودخول الإسلام بمخلاف جرش، وبالمخلاف الراشد، وكانت عامرة بسكانها الأصليين الذين اكتسبوا نقاء المحتد، وما ذاك إلا لوعورة مسالكها وتباعد اتصالها مع الغير خصوصا في العصور القديمة.
أما الآثار التي في منطقة عسير متعددة منها؛ جبل السر في بني رزام على طريق أبها الطائف ويضم مجموعة من النقوش والرسوم الغائرة التي ربما تعود إلى الألف الخامس حتى الألف الأول قبل الميلاد تتمثل بصخور غنية بالنقوش والرسوم للغزلان والخراف.

وكذلك جرش في محافظة أحد رفيدة جنوب خميس مشيط تضم مباني ضخمة الطراز، ما تبقى منها الا القليل، وكذلك مباني من الطوب المحروق واللبن التي آلت إلى أطلال وهذه أغلبها في العصر الإسلامي.

وعسير ذُكرها مستفيض عند بعض الرحالة كابن جبير وابن بطوطة، وابن المجاور وكذلك الهمداني والحموي. عسير تداخلت مع الغير في العهود الإسلامية الأولى وحتى حقبة السلطنة العثمانية.وكذلك فترات الطولونيين والإخشيديين والفاطميين والأيوبيين والمماليك. وكان لعسير أمراء محليون عبر العصور الإسلامية وكان لهم جوار مع أشراف مكة.

مناطق عسير
تضمُّ عديد محافظات ومدينة أبها مركزها، وكذلك خميس مشيط، وبيشة، والنماص، ومحايل، وسراة عبيدة، وتثليث، ورجال ألمع، وأحد رفيدة، وظهران الجنوب، وبلقرن، والمجاردة، وهذا اختصار عن تلك المدن:

مدينة أبها
هي قبلة السياح لعلو أرضها وما تمتاز به سلاسل جبالها التي تغطيها أشجار الآرار ، ويتميز فيها جبل السودة الذي يعتبر أعلى قمة؛ إذ يبلغ ما يزيد عن ثلاث آلاف قدم فوق مستوى سطح البحر وتغطية أشجار الآرار الداكنة. ولكثرما تغشى أبها غيوم سفوح جبالها الشاهقة.
ولا غرو أن يصف أحدهم أبها قائلا:
أبها بهاؤُك قد أغرى قوافِلَنا
فأسرعَتْ زُمَراً تُفْضِي إلى زُمَرِ
أنتِ النجومُ على خدَّيكِ لاهيةٌ
وأنتِ ملهمةُ الأشعارِ والسِّيَرِ
وأنتِ مسرحُ تاريخٍ شُغفْتُ بهِ
وأنتِ معرضُ شلَّالٍ من الصُّوَرِ

خميس مشيط
تقع في وسط منطقة عسير، وتربط الطُّرُق فيها عديد مناطق ومُدُن في المملكة، وتضم كلٌّ من: مركز العرين، وطريب، وخيبر الجنوب، ووادي بن هشبل، ويعرى، وتندحة، والواديين، وتُعتبَر خميس مشيط مركز تجاريّ لمنطقة عسير، كما أنّها تضمُّ أماكن أثريّة، مثل موقع جرش الأثريّ.

بيشة:
تُبعد عن أبها شمالا نحو 260 كم وفيها سَدّ الملك فهد بن عبدالعزيز الواقع في وادي بيشة على بُعد مسافة 35 كم إلى الجنوب الغربيّ من مركز المدينة، ويُعتبَر السدّ الأكبر في الشرق الأوسط.بيشة لها ذكر تاريخي قديم معروف ذكره الشعراء كقول :
وجاءت من أباطحها قريش
كسيل أتى بيشة حين سالا
وكذلك حسان بن ثابت إذ يقول:
كأنهم في الوغى والموت مكتنع
أسدٌ ببيشة في أرساغها فدع

النماص:
موقعها قرابة 155 كم إلى الشمال من مركز مدينة أبها، وتستقرُّ على قمّة جبال السروات، وتتميّز بسحر تضاريس أرضها ومناظرها في الأودية ذات الأشجار، والنباتات الطبيعيّة، وشلّالات المياه الصغيرة، وهناك عديد من غابات الأشجار الكثيفة. والنماص جاذبة للزوّار والسيّاح.

محايل عسير:
هي على بُعد 80 كم إلى الشمال الغربيّ من أبها، حيث تتوسَّط المسافة بين تهامة، وعسير، ويقصدُها سُكّان المناطق المرتفعة، والباردة خلال الشتاء لدفء الطقس فيها.

رجال ألمع:
تُبعد نحو 45 كم إلى الغرب من أبها، وهي مرتفعة حوالي 1250م عن مستوى سطح البحر؛ حيث تستقرُّ على أرض جبليّة وَعرة المَسالِك، وتتخلَّلها العديد من الأودية، وفيها عدة قُرى وهم يزرعون على سفوح الجبال.

المجاردة:
وهي في الجزء الشماليّ الغربيّ من منطقة عسير ويتبعها بارق، وجمعة، وربيعة، وثلوث المنظر، وعبس، مناخها مُعتدل خلال الشتاء، وجميلة المناظر الطبيعيّة حيث يقصدها الزوّار.

سراة عبيدة:
تبعد نحو 90كم عن أبها تتربع على جبال تتناغم مع الوديان السحيقة والسهول الفسيحة، ومن أهم جبالها جبل ظلم وجبال المجاز وهضبة الظاهر وتضم مدينة الجوة، الفرشة، العرقين، جوف آل معمر، وادي الحيا، البقعة، وادي سريان، وادي ردوم، خشم عنقار، العسران، سبت بني بشر، عين اللوي، وفيها كَذَلِك قرية آل خلف الأثرية.

أحد رفيدة:
وهي على بُعد 25 كم عن خميس مشيط، وارتفاعها نحو 2000م عن مستوى سطح البحر، وتُعتبَر أقرب المُدُن إلى الموقع التاريخيّ جرش، ومناخها لطيف، وفيها طبيعة خلّابة.

بلقرن:
تقع تبعد عن مدينة أبها مسافة 220 كم وعن مدينة الطائف ب 320 كم وترتفع نحو 2000قدم عن مستوى سطح البحر، وقاعدتها الإدارية مدينة سبت العلايا التي استمدت اسمها من السوق الشعبي الذي يقام فيها كل يوم سبت ويحضره الناس من أنحاء شتى فأصبحت تسمى بهذا الاسم، وهي قديمة النشاة ويتبع بلقرن مراكز؛ البشائر باشوت، آل سلمة، خثعم، عفراء، شرى.

تثليث:
موقعها تقع على بُعد 200كم شمال شرق أبها، وقرابة 170كم عن محافظة وادي الدواسر، و90كم عن محافظة بيشة. اكتسبت اسمها من التقاء ثلاثة طرق: نجران ونجد والحجاز، وقيل ثلاثة أودية بيشة وتثليث ووادي الدواسر.
ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان وكذلك الهمداني في كتاب صفة جزيرة العرب، أنها طريق قوافل الحجيج لشرق اليمن وحضرموت ونجران، وتثليث كثيرة المياه والقرى والسكان، واستوطنتها قبائل بني عقيل وبني نهد من قضاعة ومذحج القحطانية ومنها قبيلة مراد من زبيد التي ينتمي الصحابي الجليل عمرو بن معد يكرب الزبيدي.

ظهران الجنوب:
تبعد عن مدينة أبها حوالي 130كم جنوبا وهي على طريق خميس مشيط الذي يوصل إلى نجران مسافة 110كم.
وظهران الجنوب تتنوع مواقعها الأثرية أبرزها التي بقت بعض معالمه واضحة للعيان آثار طريق الفيل الذي سلكها أبرهة الأشرم حينما حشد جيشاً لهدم الكعبة المشرفة، حيث تولى جيشه رصف الطريق بالحجارة ليسهل مرور الفيلة عليه في منطقة المصلولة وقاوية والثويلة قرابة 12كم شرق ظهران الجنوب ، والمبرح والمجمع شمال ظهران الجنوب حيث سلكت قريش طريق الفيل في رحلاتها المشهورة لليمن في فصل الشتاء والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم.

ختاما :
منطقة عسير في إرثها وأهلها وتضاريسها كانت في الماضي وما زالت في الحاضر وما تستشرفه للمستقبل جاذبة واعدة تخط الخطى لتكون قبلة السائحين، وأُنس للزائرين، وشامة لبلد عظيم، يتوق لها الشعراء والباحثين، ومنصة يتبارى فيها المثقفين، وهي تفتخر بانتمائها للوطن والعروبة والأصالة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *