خربشة ومغزى

“التاريخ المضاد .. سهم مسموم”

التاريخ المضاد (‏Counter-History)
هو جنس من الكتابة التاريخية يلجأ إليه المتخاصمون في صراعاتهم على موضوعات تاريخية، يقوم طرف فيها بتشويه تاريخ خصمه وتقزيمه، والوسائل المتبعه فيها هو استعارة أحد الأطراف، ولنسمية الأول بأخذ بعض الموضوعات لخصمه، كما رواها هذا الخصم فيبدأ الطرف الأول بإعادة صياغتها صياغة مشوهة بتبديل الألفاظ أو المسببات أو النتائج، ويضيف بذكاء مراده أو تشكيكه بحيث تلوي المعاني والأهداف لمقصود الرواية، بل يفتح باب تأويلات وإسقاطات تضعف مراد الخصم.

احترافية ما يفضي إليه كتابة التاريخ المضاد لاختراق الروايات، وتغيير صورة الخصم وما هو في ذاكرة المنتسبين إليه هي مراد منشود. وهنا يحقق الطرف الأول هدفه في تشويش تاريخ خصمه.

مثال واحد
للتدليل فيما هو مروي في مسائل التاريخ المضاد، وهو ما حصل في تراث اليهود عن المسيحية، وكما هو معلوم أن السيد المسيح هو الرمز الأعلى للمسيحية، والذي تتكثف فيه رسالتها وكل قيمها ومعتقداتها.
وهذا هو تراث المسيحية عموما، إلا أن الآلة الكهنوتية اليهودية في موروثها القديم عملت على رسم صورة المسيح على غاية من القبح والتشويه، وهذا تاريخ مضاد لرسالة وقيم ومعتقدات المسيح.

مؤلفو التلمود ومحرروه
ضلعوا بمهمة تشويه صوره وشيطنة رسالة المسيح تذكر المرويات أن ما يتعلق بشخص المسيح يرد اسم المسيح ، وكذلك التلمود برسم يشو Yeshu، وكذلك يرسم بالعربية يسوع ، وبالإنكليزية Jesus ، ويلحق أحيانا بلقب نوتسري Notzri أي الناصري نسبة إلى الناصرة.
غير أن هذا الاسم يختفي ويُحط من قيمته حينما يتم تجاهل ذكر أي من هذه الأسماء، وذلك حينما يشير التلمود تكرار إلى المسيح هو ذلك الرجل أو يلمز بالأكثر شيوعا تسميته ابن ستادا Ben Stada، او ابن بانديرا Ben Pandera.

حكاية التلمود
تقول إن اسم أم يسوع مريام وكان زوجها ستادا، وقد خانت مريام هذا الزوج مع عشيقها بانديرا الجندي الروماني فولدت منه يسوع لتشويه عذرية السيدة مريام أو مريم، وكذلك نفي أن المسيح من روح الله بل ويتعدى الأمر إلى قذف العرض والاتهام بالزنا، وهذه الأخبار شائعة في الأوساط اليهودية منذ النصف الثاني من القرن الثاني ميلادي. وهذا ما أوردها كتاب المؤرخ والفيلسوف اليوناني المقيم في الإسكندرية سلسيوس Celsus، بعنوان الكلمة الصادقة Alethes logis.

ومن التاريخ المضاد
ما قيل في نهاية المسيح حيث تذكر مرويات التلمود أن المسيح رُجم وشُنق ولم يُصلب حسب الرواية المسيحية، تقول رواية التلمود: ” لقد شنق يسوع عشية عيد الفصح وقبل تنفيذ الإعدام وعلى مدى أربعين يوما، انطلق منادي ينادي صارخا إنه سوف يرجم؛ لأنه مارس السحر وحرض إسرائيل على الارتداد عن الدين، فمن كان لديه شئ يقوله لمصلحته فليأت وليشهد له بذلك “.
وبما أنه لم يتقدم أحد بأي شئ لمصلحته فقد شنق عشية عيد الفصح.

حقيقة التاريخ والتاريخ المضاد
إذا أردنا أن نتقصاهما، فينبغي أن نفهم أنهما أخبار ومرويات، وهي بطبيعتها بحسب كلام ابن خلدون والطبري وابن النفيس من قبله ليس مأمون الصدق. وابن خلدون في مقدمته ذكر أن : “الكذب متطرق إلى الخبر بطبعه ولذلك لأسباب منها؛ التشيعات للآراء والمذاهب، والثقة بالناقلين، والذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع ، وينقل الخبر لما غلب في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب”.
وكذلك هنالك أخبار مشهورة تدفع القارئ إلى أن يفهم مُلابساتها من غالب الظن لا العلم المحقق.

تجاه هذا الفهم
في شأن التاريخ والتاريخ المضاد، لا بد من استلهام قاعدة ذهبية خلدونية التي تقول: “علينا إعمال العقل في الخَبَر” ، أي إعطاء العقل فرصته لتأمل دافع وملابسات المرويات وتحليلها، وفق أدوات نقد علمية للوصول إلى موضوعية الفهم التي فيها احترام العقل.

التاريخ المضاد
هو سهم مسموم لم تسلم منه المِللّ والنِحلّ وكذلك الحضارات عبر التاريخ وإلى يومنا هذا هنالك من يحترف ويوظف التاريخ المضاد في الإعلام والتأليف ومنصات التواصل، وهذه سمة بشرية غرضها تغول وحبُّ التفوق واحتكارية الأمجاد والحقيقة.

رد واحد على ““التاريخ المضاد .. سهم مسموم””

  1. يقول فيصل:

    بوركت اخي احمد اعجبني كثيرا من خطت يداك وطرحه عقلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *