الرأي

اللاهثون وراء المال!

اللاهثون وراء المال دائماَ يبتغون المزيد، يركضون بلا كلل ولا ملل لجمعه وتحصيلة وخزنه بأي طريقة ووسيلة، لا يهمهم أن أنتفخت كروشهم وأوداجهم وأصابهم الضغط والسكري والدهون والقولون ووجع المفاصل والركب، لا ينفعون ولا يفيدون سوى خزائن البنوك، لا يعرفون الطرق إلى الجمعيات الخيرية، ولا يحبون أن يسمعوا بالأرامل واليتامى وأصحاب الفاقة والمحتاجين، ولا يهمهم أن نام بعضهم بلا طعام ولا شراب وبلا غطاء، لا يعرفون الأعمال النافعة والمفيدة، ولا يحاولون دعم المشاريع النفعية، ولا تشجيع المواهب الفكرية وأصحاب الإضاءات الأدبية والثقافية والعلمية، ولا يعرفون رسم دوائر المنفعة والعطاء.

يعيشون دائماَ في حيزهم الضيق، وبرجهم العاجي، بعيداَ عن أرض الواقع، لكنهم في الوقت نفسه يمطرون أصحاب المديح الكاذب والثناء الباهت بوابل من المال، وهم في قرارة أنفسهم يعرفون بأنهم لا يستحقون هذا المدح والإطراء، لأنهم لم يقدموا للمجتمع والوطن أي شيء يذكر كي يمدحون ويشكرون، بل يغضبون من النقد الإيجابي البناء، وتصيبهم حالة نفسية مأزومة وسلوك سقيم، أن النقد الهادف البناء لهؤلاء لا يعني هدمهم والإنتقاص منهم، بل هو بمثابة القنديل المضيء لهم في الطريق المظلم، إنني من الذين يمتلأون نشوة ويصيبهم الزهو حينما أسمع بأن واحداَ من هؤلاء قد قدم للمجتمع مشروعاَ نفعياَ يشار إليه بالبنان ويستفيد منه شريحة كبيرة من الناس، ويشارك دائماَ الناس في السراء والضراء جاعلاَ من ماله وسيلة خير وعون وفك عوق، بل إنني أشيد به وأكتب عنه وأجعله من العاملين النبلاء، أن طرق الخير والإحسان كثيرة ومتنوعة ولا تحتاج إلى مرشد ودليل، ومن أبرزها تفقد الناس الأقربون أولاَ ومن ثم بقيتهم، وتلبية إحتياجاتهم وسندهم وعونهم وإنشالهم من واقعهم المرير.

إن التجاوب مع الناس والتناغم معهم تفوح منها رائحة العاطفة الإنسانية بكل حلاوتها ونداوتها، والنزول إلى الناس صورة ممتعة وبانوراما آخاذة، عكس الذين يهوون (الهياط) ويعملون به وينتشون لصوته وفلاشه وطبله، والذي لا يجلب لهم سوى الضر والمضرة في الدنيا وفي الاخرة، والعاقبة الخاسرة، أن المواقف الناصعة البياض تختلف جذرياَ عن مواقف العتمة والرماد، وأعمال البر الحقيقية لا تقارن بأعمال التلون والنفاق، كما يختلف صاحب الحكمة والبصيرة عن صاحب الضجيج والعجيج والعبثية.

إن أصحاب القلوب الحانية، والمروءة الوافية، والنبل الحقيقي، يتفاعلون مع آلام اصحاب الحاجات ويبذلون من جاههم وعرقهم ووقتهم الكثير من أجل قضاء تلك الحاجات، يقومون بذلك لوجه الله تعالى وحده، وبهذا يملكون القلوب، ويكسبون الحسنات والمثوبات الإلهية جزاء حرصهم على إغاثة الملهوفين، وتنفيس كربه المكروبين، عكس الذين لا يتحركون لقضاء الحاجات الاّ لمصالح ومنافع دنيوية، أو إبتغاء إشادة أو إطراء، وهؤلاء همهم إحراز الربح والمنافع وتفخيم الذات، فهم يركضون وراء الأرباح المادية والسمعة ولا يفكرون بالمثوبات الالهية العاجلة والآجلة، أن اصحاب القسم الأول يحفرون أسماءهم في ذاكرة التاريخ فيسجل مواقفهم بأحرف التبجيل والتقدير، وأما أصحاب القسم الثاني لا يَسْلمون من قوارص الكلام، ولا يحظون عند الناس بالاحترام، فيا أيها اللاهثون وراء المال والكانزون له، تمهلوا قليلاَ وفكروا ملياَ وأعلموا جلياَ بأنكم في الحياة مجرد عابرون وأن طالت بكم الرحلة، فلكل رحلة نهاية، ولك قطار محطة توقف، فتزودوا من مالكم الوفير للمحطة الأخيرة التي هي خير وأبقى، والعاقبة للمتقين.

رد واحد على “اللاهثون وراء المال!”

  1. يقول الهنوف:

    مبدع مبدع مبدع

    دائماً مبدع وتثري المتلقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *