الرأي

رسالة إلى عبدالعزيز

د. أمل الطعيمي

مثقفة وكاتبة رأي سعودية .. عميدة كلية الأداب بجامعة الإمام عبدالرحمن (سابقا )، مديرة التحرير بصحيفة "اليوم" (سابقا)

بسم الله الرحمن الرحيم

سيدي العزيز ( أخو نورة)

موقنة أنا بأن ما أفكر به يصلك بطريقة ما خارج حدود معرفتي، ربما هو أمر روحي و ( الروح من أمر ربي ) ولكن شعوراً ما يخبرني بذلك .

لا أدري أيها الفارس إن كان أحدهم تنتابه الحالة نفسها التي تنتابني كل عام في يوم الوطن ، وقد أكون عاجزة عن توضيحها وشرحها لك أو لغيرك من الأحياء؛ ففي كل عام وفي الثالث والعشرين من هذا الشهر تكون مظاهر الفرح حولي في كل مكان، وتتزايد عاماً بعد آخر، إلا أن شيئاً ما يتفوق عليها جميعاً ويشدني إلى زمنك، فأراك وأتحدث إليك وأشم رائحة بيوت الطين التي عشتَ فيها، وتراب الطرقات التي مررت بها.

يا سيدي… في زمنٍ مضى كانت أمي نورة -جدتي لأمي – قد وُلدت وسكنت في إحدى ضواحي منطقة الوشم، ثم انتقلت في عهدك من مرات إلى الرياض ثم الأحساء، حتى استقرت في الدمام في الربع الأخير من عمرها، وقد عشت بقربها ستة عشر عاماً، ولا أذكر أنها لم تأتِ على ذكرك في يوم ما، ولم تغب عن بالها صورة أو أثراً؛ فالذكريات تتداعى على لسانها فتحكي وتحكي عن فارس كانت تحب أن تسميه ابن سعود. أنت هو ذلك الفارس الذي تحكي عنه بفرح لم يفتر منذ أن سمعت عنك، وبحب لم ينضب رغم طول العهد، وبامتنان عظيم لله ثم للزمن الذي جاد بك وجمع بينكما عن بعدٍ لتمهد لها ولأقرانها الانتقال من حال إلى حال؛ فعاشت كما لم تتوقع أن يتاح لها ذلك الرغد من العيش بعد جدب وصبر.

كانت حكاياتها عن أحداث لم أعرفها، ولكنها بالنسبة لي تشبه النجوم التي أرى جمال لمعتها عن بعد ولا أعرفها عن قرب.

كانت جدتي، وكانت وكانت حتى انتهى بي الأمر مع حكاياتها أن علقت صورتك في عقلي وقلبي، وتردد صوتك على مسمعي، فظللت أتأملها واستمع إليك وأستعرض ذلك التاريخ الذي قرأته لي من ذاكرتها قبل أن أقرأه على مقاعد الدراسة أو كتب المؤرخين، حتى جاء تاريخك الذي عشته أنا حين تركت لنا بقيته بين يدي أبنائك، فتعلمت وكبرت وأنا امتلئ فخراً بك. ويعلن هذا الفخر عن نفسه بقوة في يوم الوطن، وأجدني أحبك كما أحببتها، وأذكرك كما ذكرتك هي وأكثر؛ إذ يبدو أنها حين رحلت عن هذه الدنيا لم تترك لي صورتك فقط؛ بل تركت في قلبي حكاياتها عن حكمتك وفروسيتك وعقلك النيِّر ونظرتك البعيدة وأحلامك الواسعة وآمالك العراض التي عاشت هي جزءاً منها في عهد أبنائك سعود وفيصل.

رحلت وتركت لي صوتك مع أصوات إخوتها أبناء سليمان بن رشيد البسام وغيرهم من فرسان مرات من آل دايل وآل الجبري وآل حجي. وكثيراً ما كانت تذكر حكاياتهم أثناء تطويع المنطقة لحكمك، وكثيراً ما تذكرتهم بحب تسرَّبَ من قلبها إلى شراييني حتى لحظة الاحتفال الكبرى، الاحتفال الذي ازدانت به أرض الجزيرة العربية حين أعلنتَها مملكةَ عربيةَ سعوديةَ.

لقد كنت وما زلت أيها الفارس رمزاً أحمله بين الحنايا، رمزا لحب الأرض وللعطاء والأمان والحكمة التي جعلتك تتحدى قسوة رمال الصحراء وجبالها وقسوة بعض أهلها الذين كانوا يعارضون كل جديد حتى قالوا عن جهاز البرقيات (ابن سعود جايب لنا سحر يدندن علينا)، وهم الذين ارتعدت فرائصهم خوفاً عليك من السيارة حين ركبتها أول مرة أمامهم، وظنوا أيضاً بأنها السحر الذي سيطير بك!

سنوات طويلة مرت بعد رحيلك ورحيلها من بعدك، وكبرت أنا فلم أعد تلك الصغيرة التي تنصت بكل مافي الدهشة من جمال لحكايات جدتها، ولكن، ويالغرابة الزمن حين يعيد ترتيب أوراقه فتملأني الدهشة المطرزة بالفرح مجدداً من أعمال ابنك وحفيدك وفرسان وقتنا اليوم بما فعلوه لنا حين حملوا سلاح الفكر والكلمة الحاسمة الفاصلة لنقفز إلى الأمام كما لم يحدث من قبل. هل ترى ما يفعلون؟ وما نحن فيه؟ وهم يتخطون بنا حواجز الأفكار التي لم تختلف كثيراً عما كابدته أنت حين ظن بك القوم أنك جالب للسحر! هل رأيتنا ونحن نتبوأ المراكز المتقدمة في العالم كدولة مهابة كانت ومازالت كذلك ولكنها اليوم أكثر قوة وأكثر جرأة في الداخل والخارج؟

كانت جدتي تقول : إن أرواح الموتى تعلم بما يحدث لنا، فيفرحون لفرحنا ويغتمون لهمنا، ولكنهم لا يتواصلون معنا إلا عبر رؤى المنام، ولهذا أجد أني مؤمنة بأن رسالتي ستصل إليك كما تصلك أفراحنا في يوم الوطن الذي وضعت أنت لبنته الأولى، وكم كنت جريئا ومقداماً ومناضلاً ليس بالسيف وحده وإنما بالفكر المتحرر الذي رفض الأفكار البالية التي لو استمعت إليها لبقي الحال على ماهو عليه من فقر وجهل وهجرات، والحمد لله أنك لم تفعل، والحمد لله أن رب العباد ساقك لتستنهض الأرض وتستخرج ما فيها من خيرات، لنصل نحن وأحفادنا من بعدك إلى ما وصلنا إليه اليوم وما سنصل إليه غداً في القادم الجميل .

سيدي أخو نورة … يا من (اعتزى) بها واستمع لمشورتها ورفع قدرها حياً وميتاً؛ دعني أخبرك بأننا كلنا اليوم نورة، بعد أن انتشلنا سلمان ومحمد من غياهب التجهيل المتعمد الذي أُسرنا فيه لسنوات طوال .

وماذا بعد؟ سؤال تتردد أصداؤه كل يوم، ويحثنا على انتظار الإجابة من الأوامر الملكية التي تحمل لنا كل مرة أخباراً سارة وقرارات هي عين العقل والحكمة في زمن التحديات الكبيرة، وفي زمن ينتظر فيه الأعداء كل زلة، ولم تعد الحرب العسكرية هي موطن الزلل؛ بل زلة الإنسان والمجتمع والأفكار حين يصر أن يعيش في زمن لا يشبه نفسه ولا حاجته، ومن هنا هبت رياح التغيير، وقادنا سلمان وابنه، فأصبحنا في عصرنا الجديد مهما اختلفت أعمارنا وتباينت أفكارنا، لأنهم يا سيدي ما زالوا يعملون بوصيتك التي طلبت فيها منهم (أن يكونوا يداً واحدة، صغيرهم يوقر ويمتثل لكبيرهم، وإذا رأى الصغير من الكبير مالا يصح نبهه لذلك ) وكذلك وصيتك الأخرى حول ( تلمس حاجات الشعب العدل بينهم وتحقيق الأمن لهم ومحاربة الجهل ونبذ العنصرية والتحزب).

في طفولتي كانت حكايا جدتي تكفيني عن ألف كتاب، وعندما كبرت وقرأت ما قاله بعض المؤرخين عنك أيقنتُ بصدقهم، وعندما عشت هذه اللحظة أدركت قيمة أن تتوارث الأجيال من أبنائه وأحفاده ما قاله عنك حافظ وهبة بأن: (الملك عبدالعزيز يجمع في طبيعته روح الحرب وروح السلام، لا يقاتل الناس ولا يعتدي عليهم، إنما يحارب الجهل ويقاتل الجمود ويكافح التأخر).

صدقت جدتي. فكن منعماً يا سيدي حيث أنت برحمة من الله وغفران.

رد واحد على “رسالة إلى عبدالعزيز”

  1. يقول خالد ابومشعل:

    شكرا” من القلب دكتوره أمل ..
    لقد سردتي قصه عشناها جميعا” كسعوديين ، رواية فخر
    رواها لنا الأباء وترسخت في قلوبنا قبل عقولنا ، قصة الانتماء لهذه الأرض وحب حكامها إخوان نوره أعزهم الله والولاء لهم
    ورثناه عن آباءنا وعشناه بكل فخر شموخ .

    لقد كان إنتماءك وحبك و ولاءك جليا” د.أمل ..
    إستمتعت بقراءتها ، ف شكرا” من القلب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *