الإسكان.. والمواطن الجديد

في إحدى المرات بدولة أوروبية تهجمت امرأة بشدة وبعصبية بلهجتها غير المفهومة على أحد السياح السعوديين الذي توقف جانباً تاركاً سيارته تعمل لإحضار بعض القهوة.. استغرب هذا السائح عصبية وحماس هذه المرأة، وفكر أنه لم يخالف أي قانون يعرفه!

لكن خلال حواره مع أحد الواقفين أوضح له سبب غضب هذه المرأة.. أن النظام يمنع ترك السيارة تعمل حفاظاً على بيئة نظيفة خالية من الملوثات، وكانت حماسة هذه المرأة، وغضبها شديد، لوعيها بأهمية البيئة النظيفة لها ولمستقبل بلدها.

حماسة تستحق الاحترام حماسة لم توجد بين يوم وليلة.. إنما غرست داخلها حتى خلقت نوعاً من التصالح مع الأنظمة، والاندماج بها لتصبح جزءًا من عادات المواطنين.

النظام إذا تم النظر إلى هدفه الأساس بعيداً عن أنه مُقيد بأي شكل من الأشكال، وتم احترامه ستجد أنك تنخرط في هذا الفكر وتتقبله؛ لأن هدفه حياة صحية سليمة للجميع.

الحقيقة أن هذا الوعي لم يكن إلا نتيجة عملية بنائية تم تأسيسها منذ الصغر، والتعايش معها واعتبارها السلوك المنطقي أسست لها أسرة تستوعب فكر المجتمع الواحد الذي يتبادل المنافع..

كلما تعمقنا بالتفكير حول حياتنا وما تحتاجه كل أسرة لعرفنا أن الموضوع يستدعي وعياً جمعياً لفهم الحياة الجيدة التي نحتاجها لأنفسنا وأولادنا وكيف نعمل على زرع مفاهيم تتداخل مع حياتنا اليومية وهي ليست جديدة علينا كمسلمين لكن فقدنا كثيراً من التطبيقات التي حث عليها الدين الحنيف..

بدءًا من زراعة الأرض وإماطة الأذى عن الطريق حتى حقوق الآخرين من حولنا من إنسان ونبات وحيوان..

يستحق كل إنسان أن يعيش في بيئة خالية من الملوثات بأنواعها..

بيئة تدعم التأمل والتفكير.

بيئة تزرع المحبة والتقارب بين الناس.

بيئة تحترم الخصوصية دون الحاجة إلى أسوار عالية.. بيئة صديقة

لأن الحياة الجيدة تقودها بيئة جيدة.. تعليم جيد صحة جيدة بغض النظر عن مستوى دخل الأسرة.

فوجود حدائق وأماكن مناسبة للعب والترفيه تعوّد الطفل على الاستمتاع بالبيئة الطبيعية بعيداً عن أي مؤثرات أخرى.

ووجود مدارس ذات جودة بيئية ومعرفية داعمة للطفل، تهيئه لاحترام كافة الأنظمة، وتعوده على الحياة وفق هذه الأنظمة.

كل ما كانت الخدمات مهيأة وذات جودة كل ما كانت مخرجاتها ظاهرة على سلوك هذا المواطن الجديد، وكل ما توقعنا الأفضل من عقل هذا الطفل.

شدني إعلان لوزارة الإسكان في أحد مشروعاتها بمدينة جدة، وتركيزهم على جودة الحياة، ونمط العيش، والتي أتمنى أن تكون واقعاً قريباً للمواطن الجديد الذي سيمثل المجتمع الواعي مستقبلاً كما هي الحال في تلك الدولة الأوروبية.. ودمتم.

ماجد الشلهوب

نقلاً عن جريدة (الرياض)