ياسر الجلاهمة وبئر الخيانة الوطنية

خيانة الأوطان تتعارض مع الفطرة البشرية والإنسانية، وهي سلوك وتصرف يبدر من قلة قليلة تتعرض لسوء داخلي وتحريض من نفس أقل ما يقال إنها وضيعة، وقياسا بأن حب الأوطان من الفطرة فإن فطرة أولئك الخونة مشوشة وفاسدة ويتعزز تواضع القيمة الإنسانية لديهم، فلا يوجد عاقل سوي لا يضع وطنه أولوية أيا كانت لديه توجهات لا تتوافق مع سلطة حاكمة أو اتجاهات مجتمعية لا ترضي الخائن ثم تبرر له أن يخون ويعرض وطنه وشعبه وأهله للضرر، فذلك لا يفعله إلا مأفون وغادر وغير سليم العقل والنفس.

وفي الواقع بئر الخيانة كما الجحيم تتسع لكل أولئك الذين تحدثهم أنفسهم بخيانة أوطانهم ومواطنيهم، لذلك لا غرابة أن يظهر بين الحين والآخر خائن أو مفارق لمواطنيه وأهله بدم بارد وفقا لقاعدة «الاستثناء الذي يصحح القاعدة» كما حدث أخيرا مع الضابط البحريني المدعو ياسر الجلاهمة الذي انشق عن البحرين ورحل إلى قطر في عام 2013م، ما يعني اختياره لسلوك خاطئ وانحيازه إلى طرف خاطئ.

النتيجة الطبيعية لأي خيانة وطنية هي إدراجها تحت صفة الخيانة العظمى، لأنه ليس هناك خيانة أكبر وأقذر من خيانة الوطن أيا كانت المبررات، ولعلنا في المعارضات الغربية على سبيل المثال لا نجد مثل هذه السلوكيات الوضيعة التي تدفع بمواطن لاختيار العداء لوطنه، لأنه في كل الأحوال وفي جميع الدول يمكن أن تقول رأيك بوسائل وأساليب متحضرة وبعيدة عن التطرف، بل يمكن أن يكون لرأيك المتحفظ على أداء الحكومة، مثلا، دوره في التقويم وتعزيز الشفافية والنزاهة في دولاب العمل العام، ولكن أن تمارس ذلك بشخصنة والبحث عن صيت ومكاسب شخصية، والظهور بمظهر الذي يخالف ليُعرف فذلك لا يفيد الشخص أو وطنه أو مجتمعه.

حين ظهر الجلاهمة في برنامج تلفزيوني، اعتاد مقدموه إنتاجه بكثير من الفبركة وقراءة الوقائع بما يتماشى مع توجهاتهم فإن ذلك مؤشر لسوء الفعل والبث الرخيص الذي يهدم ويضر، ويستغل مثل هؤلاء الخونة والطامحين لخدمة أغراض وأهداف بعيدة عن الحقيقة، خاصة إذا علمنا أن هذا الشخص صدر بحقه حكم غيابي في أبريل 2019م بالإعدام، وحتى ساعة ظهوره التلفزيوني لا يزال مطلوبا للعدالة في البحرين، وبحقه مذكرة قبض من الإنتربول، فهو عمل على إفشاء أسرار الأمن الوطني لبلاده، وذلك كفيل بأن يضعه في زاوية ضيقة تنتهي به نهاية لائقة بكل خائن.

حين غادر الجلاهمة وطنه، وأعلن مخالفته لبلاده ومجتمعه كان لا بد من الإجابة عن السؤال البدهي وهو: لماذا هرب؟ غير أن ظهوره الأخير يقدم لمحة عن الإجابة طالما هو يتمتع بكل أوصاف الخيانة، لأن من يخون وطنه لا يبقى فيه، ويكفي أن تصبح سيرته نموذجا في غاية الوضوح للتيه الذي يمكن أن يصيب كل من تحدثه نفسه بأن يغادر وفي ذاته شخصية أخرى قاتمة وشديدة السواد تجاه بلده وأهله ليبحث عن أي حاضنة تستوعب مثل هؤلاء، لأنه بالضرورة أن يلفظهم الوطن، فالوطن شديد الحساسية تجاه أي سلوك غادر أو خائن يجعله نهبا للتمزق أو اضطراب أمنه وسلامه، لذلك فإن ما قدمه الجلاهمة ليس أسرارا وإنما وحي خيال وتلاعب بالحقائق وتشويهها بصورة مرضية لخدمة أجندة ضارة بالفكرة الوطنية، ولا يوجد عاقل مهما كان خلافه يصل إلى محطة الخيانة أو حتى يقترب منها، ولكن الدرس الأبرز فيما قدمه هذا الشخص أن الوطن أغلى من أن يكون ضمن أجندة سالبة أو محلا للمزايدة وتعريضه للتهريج بهذا النحو الفاضح.

سكينة المشيخص

نقلاً عن جريدة (اليوم)