كتاب العدد بعنوان: «الخطاب الإشهاري في النص الأدبي: دراسة تداولية»

التصوف من الهامش إلى الواجهة… ملف «مجلة الفيصل» يثير الفضول والجدال!

مجلة الفيصل

أثار موضوع العدد الجديد من مجلة الفيصل والذي حمل عنوان “التصوف من الهامش إلى الواجهة” بعض الفضول والجدال ما بين قبول ورفض، حيث كانت أبرز الانتقادات تتمحور حول أنها دعوة إلى وحدة الأديان تحت غطاء التسامح ومحاربة الإسلام من الداخل، وتسائل جول ما إذا كان هذا الإسلام الوسطي الذي تبحث عنه بعض الدول!، في حين حمل الملف آراء وكتابات تحمل أكثر من رأي ووجهة نظر، ما بين قائل بأن دعم مشروع التصوف هو مشروع غربي بالأساس، حيث إن “ضغط الرأسمالية العالمية لتمازج الديانات الأرضية والسماوية وإشاعة قيم الدين، العالمي وتجديد الخطاب الديني، ومسخ الهوية وقبول الآخر جعلهم (الغرب) يفتشون عن تيار ديني في داخل هذه البلدان ليقف موقفًا مناهضًا من التشدد، وينسجم مع توجهاتهم، فوجدوا الصوفية تعبر عن ضالتهم، بحسبانه يعبر عن مستقبل العالم الإسلامي”. وما بين قائل من الجهة الأخرى يقول بأننا “نجد في التصوف ما يمكن أن يساعد على تقديم العلاج الشافي لأدواء العصر الحاضر وكل العصور –طبعًا التصوف في جوهره النقيّ الصافي”، إضافة إلى العديد من الآراء المختلفة والمتنوعة حول موضوع التصوف.

وفي العدد الجديد من المجلة (يوليو/ أغسطس) فقد خصت موضوع التصوف بكثير من الاستقراء والتحليل، في ملف يحمل سؤالًا مهمًّا: الاهتمام بالتصوف.. لماذا الآن؟ وقد سعت «الفيصل» في هذا الملف عن الصوفية، الذي يشارك فيه مفكرون وباحثون وأدباء من أنحاء الوطن العربي، إلى أن تتقصَّى مرامي الاهتمام بالصوفية، وكيف انتقل التصوف من الهامش إلى الواجهة، في لحظة يهيمن عليها التطرف والإرهاب ومعاداة الآخر، وتوضِّح مدى مقدرة الصوفية أو عدم مقدرتها على أن تكون بديلًا للمذاهب الإسلامية، وكيف يمكن أن تسهم في إشاعة السلام وترسيخ قيم المحبة والتعايش والقبول بالآخر. وتساءلت المجلة عن دور الغرب في الاهتمام بالصوفية وعقده الندوات؛ هذا الاهتمام الذي بدأ سياسيًّا بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011م. وحفل الملف بإطلالة على الصوفية والمتصوفة، نساء ورجالًا، وتأمل في تجليات الصوفية في النص الأدبي وفي السينما. شارك في الملف: محمد بن الطيب، ورضوان السيد، وتركي الحمد، وسعاد الحكيم، وميثم الجنابي، وعزيز الكبيطي إدريس، وحسن حنفي، وأمين صالح، وخالد محمد عبده، وشحاتة صيام، وزليخة أبو ريشة، وسمير المنزلاوي، وأحمد الشهاوي، ومحمد جبريل، وزيد الفضيل، وخالد العنزي، وسعود البلوي وآخرون.

وجاء حوار العدد مع المفكر الأردني هشام غصيب الذي يقول: إن الشك العدمي نخر عقله وروحه وقاده إلى الفلسفة. ويوضح أن أفكاره ويقينياته تحولت إلى ما يشبه الأدوات القديمة المتشظية، فمضى في حوار ذاتي مُمِضٍّ وطويلٍ، وفي عزلة فكرية عذَّبته كثيرًا، وتركت في نفسه ندوبًا غائرة إلى الأبد. ويرى غصيب أن الاستغراب في سيرته وتشكله ليس سوى معركة تحديث «الإنتلجنسيا» العربية ورفع وعيها وممارساتها إلى مستوى تحدي العصر، تلك المهمة التي عدَّها ياسين الحافظ الشرطَ الأساسي والجوهري للانتصار في معركة الاستقلال والتحرر القومي. ويقول: إنه جرت محاولات متعددة لتأسيس المشروع العلمي في عصر النهضة العربية، لكنها ظلت محاولات فردية ومتفرقة، فتبددت من دون أن تتحول إلى تيار مؤسسي شامل وسائد.

ويواصل فيصل دراج كتابة سيرته الذاتية، فيكتب عن حسين مروة ومحمد دكروب ومهدي عامل، ويكتب علي حرب عن الثورات العربية: الدروس والتحديات، ويذكر أن الأحداث في السودان، ثم في الجزائر، تفاجئ العرب والعالم بما لم يكن متوقعًا.

أما زهية جويرو فتناقش دور المؤسسات التعليمية في مقاومة التطرف، وتقول: إنّه لمن المؤسف أن تتحوّل مؤسّسات عريقة في حجم الأزهر بمصر والزيتونة بتونس والقرويين بالمغرب وغيرها إلى «حصون قروسطية مغلقة». في حين يسائل نجيب الخنيزي الأدوار التي تقوم بها هيئة الأمم المتحدة، مؤكدًا أنها حبيسة مراكز النفوذ، داعيًا إلى تجددها وتحررها. ويعيد رفعت سلام طرح سؤال قصيدة النثر، ويرى أنه بعد مرور نحو نصف قرن على بزوغ قصيدة النثر، لا تزال من دون إضافة نقدية أو نظرية، تزيل أثر التشوشات التي تضبب الأفق الثقافي العربي. ويتساءل فخري صالح: هل تموت الرواية أم تغير شكلها؟

في باب «دراسات» يكتب محمد مظلوم عن كتاب الأكاديمي الأميريكي روبن روكسويل «مدينة البدايات… الحداثة الشعرية في بيروت». والكتاب يتناول تجربة مجلة شعر وتحولات أدونيس وحداثة بيروت. يزخر الكتاب بمسح دقيق وكمية من الوثائق والمراسلات تجعل منه محرضًا لإعادة قراءة التاريخ الآخر للحركة وعلاقتها بالصراعات السياسية في المنطقة المرتبطة أصلًا بتفاعلات الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي… وفي الباب نفسه يتناول الباحث بنعيسى بوحمالة موضوع الحرية في شعر علال الفاسي.

وفي العدد الجديد يسرد الأكاديمي السعودي علي النملة تجربته العلمية مع المفكر التركي فؤاد سزكين في ألمانيا. وفي «قضايا» يكتب محمد برادة عن أزمة الديمقراطية في فرنسا وأوربا، كما يترجم حوارًا مع المفكر بيير روزانفالون حول الموضوع نفسه. وفي حوار مع فرانسيس فوكوياما يرى أن العالم المفتوح يتحول أكثر انغلاقًا وأقل ازدهارًا، مؤكدًا أن التهديدات الأكثر مكرًا ضد الليبرالية تأتي من داخل الدول الديمقراطية. ويكتب محمد سيد رصاص سيرة فكرية للمفكر الراحل الطيب تيزيني. أما هاني نديم فيسبر في «فضاءات» أغوار ثلاث شخصيات أدبية: الجواهري، وساراماغو، ومحمد شكري.

 

وتنشر «الفيصل» ترجمة لنص الشريط الذي أنجزته الناقدة المصرية صفاء فتحي حول الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، ويتحدث فيه عن موضوعات عدة، ومنها أنه لا يطيق النظر إلى وجهه، ويكره صوره الشخصية، متسائلًا: «هل صادف أحدٌ منا يومًا «أنا» في الطريق؟، ويكتب جودت هوشيار في «ثقافات» عن أولغا إيفينسكايا… عشيقة باسترناك ومصدر إلهامه، التي اعتُقلت وعاشت مهانة بسببه، وصودرت رسائلها ومخطوطاتها. ويستعيد منذر مصري شخصية عبدالله هوشة، في مقال بعنوان: «أُودِعُكَ أُمَّكَ الأرضَ». وتضمن باب «كتب» قراءات لكل من ياسين النصير: داكن رمادي لطالب الرفاعي. وهيفاء بيطار: قد لا يبقى أحد لهيثم حسين. وعبدالفتاح شهيد: وهذا باب في التوريق لعبدالله الغذامي. ورسول محمد رسول: ما وراء الرومنطيقية لبودلير ترجمة كاظم جهاد. وميلود عرنيبة: من نبحث عنه بعيدًا، يقطن قريبًا لعبدالفتاح كيليطو.

وفي المجلة تكتب ندى حطيط عن ونستون تشرشل: أفضلُ بريطانيّ في التاريخ أم مُجرم حربٍ؟، وتحاور هدى الدغق الفنان التشكيلي السعودي أحمد ماطر الذي يتساءل: ماذا غير البهجة تندفع داخل حصون الأعمال الفنية وهي تستجيب لذلك الشغف المحاط بالتربص والتحيّن والانتظار؟ وفي «موسيقا» نطالع مقالًا لألبيركامو حول موسيقا موتسارت (محمد محمود مصطفى). وتتأمل زينب الشيخ علي في «سينما» اللحظة السينمائية في السعودية. وحفل العدد الجديد بعدد من النصوص الأدبية: قمر أسود للشاعر المكسيكي خورخي كونطريراس (ترجمة علي بونوا). المحفظة لحسن آل عامر. مثل وحدةٍ لامعة لإبراهيم الحسين. سيرة ذاتية لحسن بولهويشات. قصائد الجد لمحمد اللوزي. طيور وأطفال لمحمود الرحبي.

 

أما كتاب العدد فجاء بعنوان: «الخطاب الإشهاري في النص الأدبي: دراسة تداولية» للدكتورة مريم الشنقيطي. والكتاب هو أجزاء من أطروحة أكاديمية نالت بموجبها المؤلفة درجة الدكتوراه، اختارت صحيفة أخبار الأدب (المدة التي ترأس فيها الأديب جمال الغيطاني) لتكون موضوعًا للدراسة، كونها تمثّل العهد الزاهر للصحيفة، وتمتد هذه المرحلة إلى ثمانية عشر عامًا، من عام 1993م إلى 2011م، وتهدف هذه الدراسة إلى تحديد الأشكال الأدبية للخطاب الإشهاري على نحو ما اشتملت عليه مدونة الدراسة، كما تسعى إلى تحرير مفهوم الخطاب الإشهاري الأدبي من سجن الحقل التجاريّ والاقتصاديّ، كما هو متعارف عليه في الإعلانات التجاريّة والترويجيّة للسلع؛ وذلك ببيان الصلة الوثيقة بينه وبين الأدب.

وبحسب الباحثة يرجع اختيار المدونة من بين مجموعة من الصحف لجملة من الأسباب، منها: أن هذه الصحيفة مختصة بالأدب، وهي من أوائل الصحف الأدبية التي تمثّل نمطًا جديدًا في علاقة الأدب بالإعلام؛ إذ كانت قبلها -في وسائل الإعلام الورقي- مجلات أدبية مختصّة للنخبة وصحف عامة تحوي ملاحق أدبية للعامة، حتى جاءت «أخبار الأدب» مستهدفة شريحة في منزلة بين المنزلتين القارئ العام، والقارئ النخبويّ. ولاشتمالها على نصوص أدبيّة ذات مضامين قيمة، دون أن تقصر اهتماماتها على أدب دون آخر، فنال الأدب العربيّ والغربيّ والإفريقيّ والآسيوي وغيرها من الآداب الإنسانيّة نصيبًا وافرًا، وكانت للأدباء السعوديين ومدوناتهم وإبداعاتهم حظوة خاصّة في هذه المدونة. ولأن الصحيفة جمعت إلى جانب الاهتمام بالأدب العربي -قديمه وحديثه- الاهتمام بالآداب العالمية شرقيها وغربيها، مثل الأدب الفرنسي والإنجليزي والإيطالي والصيني والياباني والهندي والفارسي والإسباني والسنغالي، وغير ذلك.

 

انتخبت من هذه الدراسة -التي هي في الأصل أطروحة دكتوراه- أربعة مباحث، على أمل تقديم إضاءة موجزة عن هذه الأطروحة حتى ترى النور قريبًا كاملة في كتاب للباحثة نفسها، وقد عالجت ثلاثة من المباحث المختارة الخطاب الإشهاري وفق المنهج التداولي، وأما المبحث الرابع فقارب هذا الخطاب مقاربة سيميائيّة. وقد توزّعت الأطروحة في الأصل على مقدّمة وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة وثَبَت للمصادر والمراجع وفهرس للموضوعات، اشتملت المقدمة على حديث عن أهمية الموضوع وأسباب اختياره وأهداف الدراسة ومنهجها، كما تضمنت ذكر أهمّ الدراسات السابقة، يليها التمهيد المعنون بـ«الخطاب الإشهاري مفهومه وأدواته»، وأما الفصل الأول «أشكال الخطاب الإشهاري» فعني بتحديد أهم الأشكال الأدبيّة للخطاب الإشهاريّ، والسمات العامة والخاصة لكل شكل أدبي، وقد جاءت أشكال هذه الخطابات في ثلاثة مباحث؛ هي التقرير الأدبي والمقال النقدي والمختارات الأدبية، أمّا الفصل الثاني فكان بعنوان «وسائل الخطاب الإشهاري» وفيه تناولت آليات البِنية الحجاجية للنّصّ الأدبيّ الإشهاريّ، وتوزّعت هذه الآليات في ثلاثة مباحث؛ هي الأساليب الحجاجية، والإشاريات، والأفعال الكلامية، أمّا الفصل الثالث فكان عنوانه: «عناصر الخطاب الإشهاري»، وهي العناصر التداولية المتحكمة في سياق الخطاب الإشهاري، وجاءت هذه العناصر في ثلاثة مباحث، الأول منها «طرفا الخطاب»، والثاني «الرسالة»، والثالث «المقام التخاطبيّ»، أمّا الفصل الأخير فكان عن «الاشتغال البصريّ في الخطاب الإشهاريّ»؛ لتحليل النصّ الأدبيّ وفق معطيات الفضاء البصري، وقُسم إلى أربعة مباحث، هي: الأيقونة التلغرافية، والتشكيل الخطيّ، والبياض، والإخراج الطباعيّ، ثمّ جاءت خاتمة البحث مشتملة على أهمّ النتائج والتوصيات.

تقول الشنقيطي: “إن دراسة النص الإشهاري الأدبي تداوليًّا- بالكشف عن وسائل الإقناع، وتوظيف الأفعال الكلاميّة، وسياق الخطاب، وغير ذلك من تقنيات الدرس التداوليّ – أسفرت عن مدى فاعليّة هذه التقنيات في إشهار النصّ الأدبيّ بغضّ النظر عن محتواه ومقتضاه، علاوة على ذلك فإنّ الكشف عن العلامات السيميائيّة وأثرها في ضبط ماهيّة الخطاب الإشهاريّ الذي تضمنه النصّ الأدبيّ في مدونة الدراسة، بيّن قدرة هذه العلامات بعناصرها المختلفة على صناعة خطاب إشهاريّ مؤثّر في المتلقّي”.