الحمض النووي الوراثي المصمم

مرحباً بك في أول مقالاتي الأسبوعيّة التي تسلّط الضوء على النظريّات العلميّة والاكتشافات والتاريخ.  وبداية، ثمة موضوع لا يوجد ما يفوقه أهمية، على الرغم من كونه خارج مجال عملي كليّاً لكنه مثير تماماً بالنسبة لي وأشخاص عديدين نظراً للطريقة القوية التي يمكن أن يؤثر بها على الجنس البشري.  ليس ذلك الموضوع سوى تعديل الجينات Gene Editing.

على الرغم من شيوع عمليات الإخصاب الصناعي حاضراً، إلا أنّ اختراقاً علميّاً ثوريّاً حديثاً يسمّى ” كريسبر” CRISPR أتاح تعديل الحمض الوراثي النووي للبشر بدقة لا تصدّق، وصولاً إلى إيجاد حمض وراثي مُصَمّم. ظهرت تقنية ذلك الاختراق في 2012، واشتُهِرَت باسم “تقنية “كريسبر” للتعديل الجيني” CRISPR Gene Editing، وتعتبر الاختراق العلمي الثوري في قرننا الجاري.  تستطيع تلك الأداة القويّة علاج الأمراض، واستيلاد بشر بمواصفات خارقة، والقضاء على الجوع.  لماذا أعتقد أنها مسألة مهمةٌ تماماً؟  تأمّل هذا الأمر: على الرغم من وجود الحياة على كوكبنا منذ قرابة 4 مليارات سنة، لم يحدث إلا قبل 65 سنة أن اكتشفنا الحمض النووي الوراثي، والآلات التي تقرأه، بل لا تفصلنا سوى بضع سنوات عن اكتشاف كيفية تعديله بدقة.  كان التعرّف إلى تسلسل الجينوم البشري (= التركيب الجيني الكامل للحمض الوراثي) أضخم مشروع إنساني في تاريخ البيولوجيا، وأعلاها كلفة. رُسِمَت الخريطة الكاملة لأول جينوم بشري في عام 2003 وكلّفت 3 مليارات دولار. واتّضح أنه على الرغم من رسم خريطة الجينوم البشري، إلا أننا لم نتمكن من تحديد الجينات في الجينوم، ناهيك عن تغييرها بدقة.  في المقابل، تبيّن أن ثمة بكتيريا لديها طريقة لتتبع الجينات في جينومها، بل تغيير الحمض النووي بدقة.  في عام 2012 ، بيّنت جنيفر دودنا، من “جامعة كاليفورنيا ببيركلي، إنه من المستطاع استخدام نظام مُشابه لتلك الطريقة، في تعقّب الجينات، بل تعديل أي جين يجرى اختياره لذلك الغرض.  مكّنت سهولة استعمال ذلك النظام، من انتشاره كالنار في الهشيم في المجتمع العلمي.  أوردت عشرات الآلاف من الأوراق العلميّة استخدام تلك التقنية في نباتات وبكتيريا وخميرة وبشر.  ومؤخّراً، عملت مجموعة صينيّة على إخصاب نساء بأطفال عُدِّلَت تركيبة أحمضاهم الوراثيّة بواسطة تقنية “كريسبر”.  انتهى ذلك البحث الذي حرّكه الفضول إلى أن يكون أكبر إنجاز يؤدي إلى تمكين الدراسات عن الأمراض الوراثيّة جميعها.

هناك نوعان من الخلايا البشريّة، هما الجسديّة والتناسليّة.  في الولايات المتحدة وأوروبا، يُسمح بتعديل التركيب الجيني في الخلايا الجسديّة وحدها، لأن تلك التعديلات الوراثيّة لا تنتقل إلى الأجيال القادمة، وكل تغيير وراثي يحدث في الخلية الجسدية لشخص ما ينتهي مع وفاته.  وفي المقابل، يُحظَر تعديل جينات الخلايا التناسليّة لأن تلك التغييرات تُوَرّث إلى الأجيال القادمة.

هذه التكنولوجيا جديدة جداً، ولا يوجد سوى عدد قليل من التجارب السريريّة بشأنها. ثمة تجربة واحدة في إنجلترا، واخرى في فرنسا، ومجموعة من التجارب في الصين، وعدد قليل منها في الولايات المتحدة الأميركيّة.  تناولت تلك التجارب أمراضاً وراثيّة مثل السرطان، وخلايا الدم المنجليّة الشكل.

يدور جدل أخلاقي رئيسي في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية حول استخدام تعديل الجينات للعلاج مقابل استعماله في تحسين المواصفات الوراثيّة.  على الرغم من أن ذلك النقاش، قد يبدو أمراً بسيطاً، إلا أنه ليس كذلك. مثلاً، هل يشكّل القضاء على التقزّم علاجاً أو تحسيناً للتركيب الجيني؟

يجادل كثيرون بأن التعديل الوراثي ليس ضرورياً لاستئصال الأمراض الوراثيّة، نظراً لوجود تقنية للتشخيص الجيني قبل زرع بويضة ملقّحة في الرحم، وتعرف بإسمها المختصر “بي جي دي” PGD، اختصاراً لعبارة  Pre- Genetic Diagnosis  ومعناها “التشخيص الجيني قبل الزرع”. ينظر إلى تلك التقنية بوصفها نوعاً من التصنيف الجيني (شكل من أشكال التنميط للأجنّة)، وأحياناً يُطبّق على البويضات قبل إخصابها بحيوان منوي.  ويُنظر إلى “بي جي دي” بطريقة مشابهة للتشخيص ما قبل الولادة.

سأناقش في مقالي التالي هذا النقاش الأخلاقي وكذلك أشرح استخدام هذه التكنولوجيا الثورية في الزراعة، وتوسيع معارفنا في العلوم الأساسيّة.

غادة المطيري ـ باحثة ومخترعة وسيدة أعمال سعودية ـ

نقلاً عن جريدة (الإندبندنت العربية)