الخميس - 14 رجب 1440 هـ - 21 مارس 2019 م |   رئيس التحرير: طارق ابراهيم

لماذا طالبت بإغلاق أقسام الإعلام؟

نشر في: الأربعاء 13 مارس 2019 | 09:03 ص
لا توجد تعليقات

نحن نحتاج إلى الالتزام بثقافة الحوار، واحترام الرأي الآخر، واستثمار التباين في وجهات النظر لتأصيل ما هو رأي صحيح، وما حدث في مطالبتي بإغلاق أقسام الإعلام، تعامل معها بعض أساتذة أقسام الإعلام بانفعال وشخصنة أبعدها عن الحوار الموضوعي الحر.

* *

ولو قرأ من كتب أو غرَّد على ما قلته لوجد أنه لم يستوعب وجهة نظري، ولم يفهمها، فأنا ربطت مطالبتي بإقفال هذه الأقسام بموقفنا المتفرج وعدم المبالاة بما تمر به الإمبراطوريات الإعلامية، وأعني بها المؤسسات الصحفية وما يصدر عنها من صحافة ورقية ورقمية، ولم أطالب بإقفالها لأنها لم تخرِّج لنا إعلاميين، أو أنها لم تواكب التقنية التي غيّرت في وسائل المنظومة الإعلامية بما يُسمى الإعلام الرقمي أو الإعلام الجديد، مع أن هذا موضوع مهم يجب أن يُفتح للنقاش دون حساسيات، حتى نتعرف على دور هذه الأقسام الإعلامية الحقيقي في العمل الإعلامي منذ افتتاحها وإلى اليوم، خاصة عندما يكون القياس على هذا الدور من خلال المستوى الذي تقدمه لنا الصحف الورقية التي تصدرها هذه الأقسام، أو من خلال أساتذة لم يتخصصوا بالإعلام الرقمي، ومع ذلك ربما أن بعضهم يدرِّسونه لطلابهم.

* *

مرة أخرى، ومع احترامي لأساتذة هذه الأقسام، فإن هؤلاء أيضاً -ولا أعمم- لم يمارسوا هذه المهنة، ولم يتعرّفوا على أسرارها، ولم يكونوا يوماً جزءاً من الحراك الذي يتم في مطابعها واستديوهاتها، مما جعل هذه المهنة تعتمد على المواهب من خارج هذه الأقسام الإعلامية المتخصصة، دون أن نجد أثراً لخريجي هذه الأقسام، مما يستدعي بالقائمين عليها ممن أزعجهم مطالبتنا بإلغائها إعادة النظر في وضعها، ودراسة تجربتها ومدى قدرتها في إغناء وسائل الإعلام بالكفاءات الإعلامية المتخصصة.

* *

لقد قلت ما معناه بأني سوف أكون قاسياً لو قلت إن على الجامعات أن تقوم بإغلاق أقسامها الإعلامية، وربطتُ ذلك بالقول: ما حيلتي والمؤسسات الصحفية توشك أن تموت دون أن نعمل على إنقاذها، وتساءلت إذا كان الأمر هكذا فهل من حاجة لهذه الأعداد من خريجي أقسام الإعلام؟، وأنا حددت المؤسسات الصحفية، مع أن وسائل الإعلام التقليدية كلها مآلها الموت إن عاجلاً أو آجلاً، بسبب النقص الحاد في مواردها، ما لم يتم إنقاذها بالدعم المالي المشروط. والذين يعملون في الميدان الإعلامي لا الذين يتحدثون من مكاتبهم، يعرفون أن الإعلام الرقمي والمنصات الإعلامية الأخرى بمحتواها الهزيل لا تقدم إعلاماً حقيقياً هي الأخرى.

* *

وأنا حين أطالب بإلغاء الأقسام الإعلامية في جامعاتنا لم أرتكب محظوراً، فهي وجهة نظر يؤخذ بها أو ببعضها أو تُرَد، ولكن يجب أن يكون ذلك في حوار موضوعي مسؤول، وخاصة حين تكون وجهة النظر المعارضة من أستاذ في الإعلام يأخذه الحماس والانفعال، فلا يلتزم بأدبيات الحوار، ولغة التخاطب، وأساليب المناقشات.

* *

ومن اعترض على وجهة نظري، عليه أن يتذكر أن هناك أقسامًا غير إعلامية أُلغيت، وأخرى دُمجت مع غيرها، وتخصصات لم يعد لها وجود كالجغرافيا والتاريخ والتربية وغيرها، فما الذي يجعلنا نقبل بالتعامل مع هذه الأقسام على هذا النحو، بينما ننزعج حين يأتي من يطالب بتطبيقه على أقسام الإعلام؟

* *

المشكلة في هذه الأقسام أنها لا تتطور ولا تجاري التحولات الكبيرة في وسائل الإعلام، ولهذا لا نجد أثراً لخريجيها، لأن بعض أساتذتها يتحدثون لطلابهم بلغة مختلفة عن لغة الإعلام الجديد، ويتجاهلون أن المؤسسات الصحفية بدأت في تسريح صحفييها، ووزارة الإعلام والهيئات الإعلامية التابعة لها لديها فائض في عدد موظفيها، وأمام هذا الوضع أليس الأولى أن يتم تطوير هذه الأقسام الإعلامية أو إلغاؤها، وتوجيه طلابها إلى أقسام وتخصصات أخرى يحتاجها سوق العمل؟

* *

إن العزف على نغمة الإعلام الرقمي من أستاذ الإعلام، إنما هي لغة عاطفية، ومن أساتذة غير متخصصين في الإعلام الجديد، فهذه الأقسام تعتمد في غالبها على أساتذة، درسوا الإعلام التقليدي بالجامعة وحتى في دراساتهم العليا، فما الذي غيروه في أنفسهم وطلابهم والأقسام الإعلامية التي يدرسون فيها، حتى تكون هذه الحدة في تعقيباتهم على ما نتحدث به عن إغلاق أقسام الإعلام لعجزها عن تأهيل إعلاميين قادرين على فهم واستيعاب التحديات، ومهارات الممارسة، وهي الملاحظة ذاتها التي يتبادلها الأكاديميون أنفسهم في مقالاتهم بمطبوعات الجامعات نفسها؟

* *

أسأل الأساتذة في أقسام الإعلام الذين نددوا بوجهة نظري، هل يوجد منهج إعلامي واحد احتضنته هذه الأقسام عدا الصحف الورقية التي لا تخرج من أروقة الجامعات، فضلاً عن أن يكون لديهم منتج عن بقية وسائل الإعلام الأخرى، وهل من منافسة بين هذه الأقسام في جامعاتنا لصالح الجودة في مخرجاتها، وبالتالي لصالح تعليم طلابها الإعلام الحقيقي الذي لا يجعلهم يبحثون عن عمل خارج تخصصاتهم، لعدم قبول أو اقتناع المؤسسات الإعلامية بقدراتهم، أو أنه لا توجد فرص وظيفية متاحة لهذا التخصص؟.

* *

وأخيراً أنا لست ضد هذه الأقسام، ولكني مع إعادة النظر في وضعها حتى ولو تم إلغاؤها إذا كان ذلك ضرورياً، بدليل أن صحيفة الجزيرة هي الصحيفة الوحيدة التي دعمت أقسام الإعلام بكراسٍ بحثية كلفت مؤسسة الجزيرة عشرات الملايين، كما أن مؤسسة الجزيرة تقوم بتدريب طلابها وطالباتها في ورش عمل ضمن متطلبات التخرج، بناء على الطلبات التي لا زالت ولم تتوقف تتوالى علينا، إلى جانب إبراز أي منجز منها على ندرته متى وُجد، ونشره باهتمام، فهل بعد هذا هناك من يزايد على موقفنا من هذه الأقسام؟

خالد بن حمد المالك

رئيس تحرير صحيفة (الجزيرة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *