الرأي , خلني أقول لك

محمد البكر.. وقفة في وجه “التوقف”

طارق إبراهيم

رئيس التحرير ، ومستشار إعلامي.. وسابقا: رئيس تحرير صحيفة (الوطن) السعودية، ورئيس تحرير مجلة (الأسرة) ، ورئيس تحرير صحيفة (الوفاق) الإلكترونية.

لا أتمنى أن يؤدي سوء التفاهم الذي وقع بين الأخ و الصديق العزيز محمد البكر والزملاء في صحيفة “اليوم” إلى حرماننا من قلمه الرشيق، أو من حضوره المبهج المؤثر على مختلف المستويات.

بالنسبة لي، لا يمثل إعلان البكر توقفه عن الكتابة في صحيفة “اليوم” مجرد خبر محزن، وإنما صدمة كبيرة وذلك لعدة أسباب، أبرزها أنني كنت واحدًا من الذين شهدوا انضمام البكر، قبل ثلاثة عقود، إلى صفوف صحيفتنا العريقة ، وذلك قبل أن يكتفي لاحقًا بكتابة مقالته الشهيرة “سواليف”، ثم إنني كنت بين المتابعين لقصة نجاحه في هذا المجال، وكذلك للأصداء التي أحدثها في كثير من المناسبات، عبر ما طرحه من أراء ومواقف تجاه عديد القضايا والمشاكل والأزمات.

شخصيًا ، لا أتخيل صحيفة ” اليوم” وقد غاب عنها اسم محمد البكر، ولولا أن الرجل هو من أذاع الخبر ما خطر ببالي مثل هذا الاحتمال، تمامًا مثل كثيرين تواصلوا معي ليعبروا عن دهشتهم لحدوث ذلك، معبرين عن أملهم بأن يكون سوء التفاهم مجرد سحابة صيف ستمر سريعًا، ليعود كاتبنا الكبير بعدها إلى داره، مواصلًا عطائه وإبداعه بغير توقف.

وتقديري أن سوء التفاهم، مهما كانت تفاصيله، قابل للحلحلة، لاسيما وأن هناك تاريخ طويل لتعاون مثمر بين البكر وصحيفتنا العزيزة، وأحسب أن كلاهما لن يضحي بتلك الصلة الوثيقة، التي منحتنا لسنوات طويلة متعة القراءة لكاتب متمرس يعرف قيمة الكلمة ومكانتها وتأثيرها. .

لقد كانت “اليوم”، بتاريخها وشعبيتها منصة مثالية لتألق قلم البكر و توهجه على مدار عقود، بينما بات البكر نفسه واحدًا من قاماتها الكبرى، التي تشكل في ظلالها وعي أجيال كثيرة، لاسيما من أبناء المنطقة الشرقية المرتبطين تقليديًا بالصحيفة الرمز ونجومها من الكتاب والصحفيين.

ولعلي لا أبالغ حين أقول إن “اليوم”، وهي بيتي الأول، قد اكتسبت بوجود البكر بين كوكبة كتابها تأثيرًا استثنائيًا في مختلف المستويات، ذلك أن الرجل، الذي دخل بيوت أهل الخليج بحضوره الكبير كمعلق رياضي، تمكن عبر زاويته الشهيرة” سواليف” من إثراء النقاش العام، سواء بآرائه الجادة أو بأسلوبه السهل المتقن. ويقيني أن ما قدمه البكر، طوال العقود الماضية، قد جعل كثيرين أسرى لقلمه ومفرداته، وهؤلاء بالذات هم ضحايا قراره المفاجئ بالتوقف عن الكتابة…حتى لو بشكل مؤقت !.

لقد عودنا البكر منذ أطل علينا بـ”سواليفه” أن يكون صوت مجتمعه، راصدًا المشاكل ومنتقدًا المتقاعسين عن حلها، لكن بلغة هادئة ، سامية ، رشيقة، تعكس شخصيته الرقيقة المنفتحة، التي تجمع بين الالتزام بقواعد المهنة وإعلاء القيم والعادات الأصيلة لمجتمعنا، وربما كان ذلك من بين أسباب الإجماع الذي يتمتع به في مختلف المستويات، فضلًا عن كونها واحدة من دواعي إلحاحنا عليه كي لا ينفذ تلويحه بالتوقف نهائيًا عن الكتابة.

أعرف أن الكاتب قد يصاب بلحظات ضيق تؤثر عليه بالسلب، لكنه سرعان ما ينتصر عليها بإرادته ووعيه وإصراره على مواصلة الطريق، وحسب معرفتي الوثيقة بالبكر فإنه يأتي في صدارة هؤلاء، فكم من مرة تمكن من تخطي عقبات وصعاب، وكم من مرة تعرض لتحديات وانتصر عليها، مقدمًا للمحيطين به نموذجًا في الإدارة الهادئة الواثقة للأزمات ..و أظن أن الأزمة الحالية، بصرف النظر عن تفاصيلها، لن تكون أعصى ولا أكثر تعقيدًا من سوابقها.

نعم؛ يمكن للبكر أن يتوقف عن الكتابة في “اليوم”، وهو أمر لا أتمناه شخصيًا، لكننا لن نتوقف – كمحبين عارفين لقدره – عن انتظار مقالته التي كانت وستظل – بإذن الله – نافذة تعبر عن همومنا وأحلامنا بأبسط الكلمات و أكثرها عذوبة وصدقًا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *