مدراء الجامعات

سليمان الذييب

تدور هذه الأيام إشاعات حول النية في تعيين مدراء جدد لعدد من الجامعات الوطنية السعودية. ومع أن هذه الأخبار والإشاعات تفرح منسوبي الجامعات وتسعدهم لرغبتهم في التغيير، إلا أنها غالبًا تزعجهم وتجعلهم على أعصابهم، ولاحقًا تصيبهم بالإحباط، لأمرين أولهما الاختيار الخاطئ، وثانيهما ألية الاختيار. والأول مشهود في كثير من الجامعات، فالبعض من المدراء الذين اختيروا لم يكونوا على قدر المسئولية المناطة بهم. والثاني أن آلية الاختيار تعتمد مع الأسف (خصوصًا في العقدين الماضيين) على العلاقات الاجتماعية والمعرفة الشخصية، بمعنى أخر (الشللية) دون النظر إلى التأهيل الحقيقي والمطلوب من مدير الجامعة.
وتقول الإشاعات أن معالي الوزير “حمد آل الشيخ” بدأ اتصالاته المباشرة مع عدد من الزملاء في الجامعات (تراوحت الأسماء المرشحة إلى أكثر من عشرة)، بعضهم كما سمعنا تلقى اتصالاً مباشرًا مع طلب موافقته على ترشيح الوزير لإحدى هذه الجامعات.
والذي لا خلاف عليه أن منصب مدير الجامعة (رئيس الجامعة) في عالمنا العربي منصب سياسي بمعنى أن من معايير الاختيار هو الولاء المطلق للفكر والمنهج السياسي في البلد، ولا اعتراض البتة على هذا المعيار، فكل الدول تختار لمناصبها العليا من أبناء وأعضاء الحزب الحاكم.
ولعلي بهذه المناسبة- أتوجه إلى معالي وزير التعليم الذي عَمِل لسنوات عضو هيئة تدريس في جامعتي الملك عبدالعزيز وسعود قبل أن ينتقل للعمل وكيلاً لوزارة التعليم لشئون البنين لسنوات. وبعد استراحة لم تزد على السنتين عاد بعد عمله في مجلس الهيئة الملكية لتطوير العلا- إلى الوزارة التي تركها بعد أن تقلد وكالتها لسنوات. وشخصية مثل هذه، تقلدت مناصب عدة ومختلفة، يظهر لي أن لديه مساحة من الرغبة في الاستماع إلى آراء أخرى من أعضاء هيئة تدريس خصوصًا من أولئك الذين عملوا سنوات طويلة في أورقتها ومعاملها ومكتباتها. لذلك أتمنى من معاليه (الذي قد لا يطلع أو يعلم بهذا المقترح)، أن يسمح ليّ الدلو بمقترح لعله يجد من منسوبي الوزارة القبول أو على الأقل التفكير.
وأبدأ بطرح السؤال الآتي: أيجب أن يكون متقلد منصب مدير الجامعة “عضو هيئة تدريس” أو “حامل لدرجة الدكتوراه”؟
والجواب على هذا السؤال -في تصوري الشخصي- لا، فليس من الضروري أن يتقلد هذه المنصب عضو هيئة تدريس، أو حاصل على الدكتوراه، بل أجد شخصيًا أن الأولى والأجدى “إبعاد أعضاء هيئة التدريس عن المناصب الإدارية”، فعضو هيئة التدريس الذي يمضي أكثر من أربع سنوات في منصب إداري داخل الجامعة أو خارجها تنتفي عنه كليًا صفة الأكاديمية؛ فالمهمة الأساسية لعضو هيئة التدريس لا تخرج عن هدفين رئيسين لا ثالث لهما، هما: التدريس ثم (لاحظ لم استخدم واو العطف) البحث العلمي.
والملاحظ اليوم في عدد من الدول العربية ومنها بلدي الحبيب هيمنة حملة الدكتوراه على المناصب العليا، ومع أني لا أريد الإطالة في هذه النقطة، إلا ان الواضح من خلال أوضاعنا الحالية -مع الأسف- فشل معظم هؤلاء في إدارة وزاراتهم وهيئاتهم، وهذا الفشل يؤكد أن المسرح الحقيقي لعضو هيئة التدريس، هو: التدريس، يليه البحث العلمي أي أن هدفه هدف سام، وهو: تنويري وتربوي، وتتلخص الفكرة في اقتراحين، هما:
الأول:
الرجاء من معالي الوزير الجديد/ القديم التفكير جديًا في تعيين مدراء للجامعات من غير الأكاديميين، ولعل اختيار أحد رجال الأعمال أو النشطاء الذين نجحوا في إدارة قطاعاتهم من النقاط المفترض أخذها في الحسبان. وأذكر هنا بتجربة عشتها وهي فترة معالي الدكتور منصور التركي التي كانت فترة ذهبية للجامعة، لأنه جاء إلى جامعة الملك سعود من وزارة المالية، فقادها مثل سابقه معالي الدكتور الفداء إلى بر الأمان.
فمهمة مدير الجامعة وفريقه الإداري الأساسية، هي: تهيئة الظروف والبيئة المناسبة لمنسوبي الجامعة من أعضاء هيئة تدريس وباحثين وفنيين وطلاب، التي تدفعهم إلى الإنتاج والإبداع في عملهم. وهذا يتطلب الآتي:
1- سحب الصلاحيات الحالية لمدير الجامعة، التي تتلخص في حقه “في الاستثناء”، الذي أساء إلى الجامعات وجعل لمدير الجامعة مكانة غير مبررة في الجامعة.
2- أن يكون هدف مدير الجامعة وفريقه الإداري هو تحقيق مصالح منسوبي الجامعة، بالسعي الحثيث في جلب الاستثمارات والدعم المطلوب لرفع دور الجامعة وأهميتها ودفعها إلى المشاركة الفاعلة في خدمة المجتمع المحلي والوطني.
3- أن تناط صلاحية القرارات الأكاديمية والعلمية والتوصيات إلى مجالس الأقسام؛ على أن تكون المجالس الأخرى (مثل مجلسي الكليات والجامعات) منفذة لهذه القرارات والتوصيات أن لم تكن مخالفة للأنظمة المتبعة. فيما عدا المجلس العلمي ورئيسه فلهما السلطة العليا فيما يتعلق بالجوانب العلمية والأكاديمية وتعتبر قراراته أي المجلس العلمي- العلمية والأكاديمية نافذة بغض النظر عن وجهة نظر مجلس الجامعة.
4- وضع أنظمة واضحة لا لبس فيها وغير قابلة لتفسير والاستثناء تخص عضو هيئة التدريس ومن في وضعه، مثل: الترقيات والتمديد والتعاقد، والدعم العلمي والمؤتمرات…إلخ، تفاديًا للوقوع في مستنقع الشللية والقرارات المزاجية (غير النظامية).
وتكون الموافقة عليها بالقبول أو الرفض إلكترونيًا، ولا تحتاج الأمر إلى علاقات وواسطات، الآفة التي نعاني منها في مجتمعاتنا العربية (المتخلفة).
5- تحديد صلاحيات مدير الجامعة ومهامه بشكل واضح، على أن تتلخص صلاحياته في جلب الدعم المادي والتسويق لما تمتلكه الجامعات من إمكانيات يمكن الاستفادة منها في المجتمع المحلي أو الخارجي. فعلى سبيل المثال أعلم أن أقسام الآثار في أوروبا لديها مشاريع استثمارية في مجال المسح والتنقيب الاثري، وهناك شركات تعتمد على هذه الأقسام في تنفيذ مشاريعها البحثية فأعرف على سبيل المثال جامعتين الأولى أسترالية والثانية بريطانية لهما مشاريع استثمارية في المملكة وغيرها (هذا غير المشاريع العلمية المعروفة مثل المشاركة في التنقيب أو غيره).
6- تحديد صلاحيات مجالس الجامعات، مثل: مجلس الجامعة (إداري ولوجستني)، مجالس الكليات (رقابي)، وأن تكون المجالس التي لها الكلمة في الشأن الأكاديمي والعلمي، هما: مجلس القسم والمجلس العلمي، والأخير له السلطة العليا، فله حق قبول أو رفض قرارات وتوصيات مجالس الأقسام الأكاديمية والعلمية.
7- تفعيل القرار الملكي المعطل (مع الأسف الشديد) والذي قرر إلا تزيد فترة المعالي في منصبه أكثر من فترتين، والسعي على جعلها -بشكل جدي- لا تزيد عن فترة واحدة فقط، إلا عند الضرورة.
الثاني:
ان لم يجد الاقتراح السابق القبول والاستحسان من قبل الأخوة في الوزارة، فأني أرى ضرورة الاستئناس عند اختيار مدير الجامعة برأي مجالس جامعتها، بمعنى أن يرفع معاليه ثلاثة من المرشحين (من داخل الجامعة وخارجها) يوصي المجلس بأحدهم مديرًا للجامعة أو العكس يرفع المجلس إلى معاليه ثلاثة مرشحين يوصي الوزير بأحدهم مديرًا للجامعة. فليس من المعقول أن يرشح معالي الوزير مديرًا لجامعة دون الاستئناس بكبار قادتها، وهم: أعضاء مجلسها.
المهم أن لا يكون القرار في يد معالي الوزير مع كامل الاحترام، فمهامه كبيرة وجسيمة وعدد الجامعات اليوم في بلادنا يزيد على الثلاثين (30) جامعة.
أبارك مقدمًا لمن صدرت الإشاعات تعيينهم في هذه المناصب الهامة وندعو لهم بالتوفيق والنجاح وأن نكون جميعًا عونًا لهم في مهمتهم الجسمية بإدارة الجامعات التي تحتاج دون شك إلى مدراء يحققون أحلام المواطن وولي الأمر.

 

سليمان الذييب